سالم بن نجيم البادي
في إحدى القرى، افتُتح شارع جديد لا يتجاوز طوله 8 كيلومترات، لكنه يحمل 7 مطبات، إضافة إلى مطبات أخرى منتشرة في الأسواق والحارات، وأمام المحلات والمدارس والمؤسسات الصحية. مطبات هنا، ومطبات هناك، حتى بات المشهد يثير أكثر من سؤال: هل هذا العدد من المطبات أمر طبيعي؟ وهل تستند الجهات المعنية ببنائها إلى أسباب منطقية ومعقولة ومقنعة؟ وهل كل هذه المطبات ضرورية فعلًا للحد من الحوادث التي يكون سببها السرعة؟ وما نسبة الحوادث المرورية التي تقع بسبب السرعة الزائدة، مقارنة بأسبابها الأخرى؟
وللناس أنفسهم دور لا يُستهان به في تزايد أعداد المطبات، حين يطالبون بوضعها قرب منازلهم أو مزارعهم أو محلاتهم التجارية؛ فهل تُدرس مواقع هذه المطبات بعناية وموضوعية، بمعزل عن هذه المطالبات الفردية؟
أما الرادارات، فحديثها ذو شجون؛ إذ تُزرع بين الأشجار والشجيرات الصغيرة، أو تتنقّل داخل سيارات مدنية تجوب الطرقات ببطء، لتلمع فجأة أضواؤها الساطعة كلما تجاوز سائق السرعة المسموح بها، ولو بقدر يسير. وتراها كذلك واقفة بين الحواجز الفاصلة بين جانبي الشوارع، أو كامنة في سيارات الشرطة التي قد تختفي خلف الأشجار أو خلف ما ارتفع من الأرض.
ومع إحساننا الظن، وتقديرنا لجهود شرطة عُمان السلطانية في محاربة السرعة حرصًا على سلامة الناس، فإننا لا نتفق مع من يرى أن التفنن في إخفاء الرادارات بهذه الطرق إنما يستهدف جني المال. غير أن هذا لا يمنع من أن يُقال لمن يشتكي من المبالغ الكبيرة التي يدفعها غرامةً لتجاوزه السرعة، على سبيل التندر: «تستاهل.. ما حد قال لك تسرع، فيك سمع وبصر».
ومن المألوف أن يتبادل الأصدقاء والمعارف وزملاء العمل رسائل تحذيرية عبر الهاتف، تفيد بوجود رادار في مكان معين، كما يلجأ بعض السائقين، بعد مرورهم بالرادار، إلى استخدام الأضواء العالية لتحذير من يسلك الطريق ذاته في الاتجاه المعاكس.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: أليس وعي الناس بثقافتهم المرورية، وما اشتهر به السمت العُماني الذي سارت به الركبان حول العالم، كفيلًا بأن يغني عن كل هذه المطبات والرادارات؟
وأين التوعية الحديثة والجاذبة والمشوّقة بخطورة السرعة، بعيدًا عن العبارات التقليدية المكرورة من قبيل «لا تسرع، فالموت أسرع»؟ إننا بحاجة إلى توعية تواكب التكنولوجيا الحديثة، وتستثمر كل الوسائل المتاحة: المحاضرات والندوات، وخطب الجمعة، والمناهج الدراسية، والمشاهير والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الإعلام الرسمي والخاص. وأين، قبل ذلك كله، دور الأسرة في تنشئة الأبناء على الالتزام بالقوانين السارية في البلد؟
وماذا لو تم إيقاف نصب الرادارات لفترة محدودة، ورُصد أثر ذلك في معدلات حوادث السير؟ وهل أُجريت أصلًا دراسات توضّح مدى إسهام الرادارات في التقليل من هذه الحوادث؟ وماذا لو استُعيض عن إخفائها بلوحات تحذّر من وجود رادار ثابت أو متحرك؟ وهل يستند إخفاء الرادار عن أعين السائقين إلى سند قانوني يجعله عملًا مشروعًا؟ أم أن لا شيء يجدي في كبح السرعة الزائدة سوى الزجر والمخالفات والغرامات، والمزيد من المطبات والرادارات؟
لعلنا بحاجة إلى مراجعة شاملة لاستخدام المطبات والرادارات، لا بهدف التقليل من أهميتها أو التشكيك في دورها، بل للتأكد من أنها توضع في الأماكن المناسبة، وبالقدر الذي يخدم السلامة المرورية فعلًا، مع الاستثمار الموازي في رفع مستوى الوعي والثقافة المرورية لدى أفراد المجتمع.
فالمطب قد يخفف السرعة، والرادار قد يرصد المخالفة، لكن الوعي وحده هو الذي يجعل السائق يلتزم بالسرعة، حتى حين لا يكون هناك مطب أو رادار.
