إلى أبي

 

 

 

سالم بن نجيم البادي

 

أهٍ يا أبي! لو أنك تركتني أستمتع بالجهل هناك، بين تلك الجبال المترامية الأطراف. أعرف نواياك الحسنة حين انتزعتني من حضن أمي وأنا لم أبلغ السنة السادسة من عمري بعد.

نحو المدينة أخذتني طفلًا، وقلبي الغض يبكي: أريد أمي. وأبيت أهذي بها، باغتني الشوق إليها، وكنت أقول: لعل ذلك الصوت الخافت في ليالي الغربة يصادف منك تعاطفًا فتعيدني إلى أمي. أنت تريدني أن أتعلّم، وأنا أريد أمي.

أردت أن ألهو منطلقًا في الفجاج الواسعة، والسهول، والشعاب، والأودية، والجبال، وأن أتماهى مع الطبيعة، وأعقد صفقات صداقة مع العشب، والأزهار البرية، والأشجار، والعصافير الصغيرة في أعشاشها.

كنت أرغب أن أصبح راعيًا للغنم، وصديقًا لصغارها، وأن أعتني بالجِمال، وأجلب لها العلف من الجبال العالية بعد شتاء حافل بالمطر، حين تنبت الحشائش التي تقتات عليها. وفي فصل الشتاء تلد الجِمال عادة، وذلك حدثٌ جلل كنت أنتظره حولًا كاملًا، وأود أن أشارك النوق الصغيرة حليبها ذا الرغوة الفاخرة.

وكان نهاري كله مغامرات وشقاوة طفل، ومعارك مع أقراني، وجراح، وتعب لذيذ أعود بعده إلى أمي، فتوبّخني على تلك الشقاوة التي لا حدود لها. لكني كنت سعيدًا في كل الأحوال بقربها، لا أملّ من مشاكستها، وأنظر إليها بحب وإعجاب وتقدير، راجيًا عطفها وحنانها واهتمامها.

أفترشُ الأرض ولحافي السماء، وألعابي النجوم التي تتلألأ صيفًا. وأنغامي الأثيرة صوت ذئب يأتي من بعيد، وثعلب يغازل أنثاه، ونباح كلبٍ أحسّ بثعلب يحوم حول حظيرة الدجاج، وجِمال تجترّ، وتيس يصدر أصواته في موسم تزاوج الماعز، وحفيف أشجار السمر والغاف والسدر بعد هبوب النسيم وقت السحر، ونقيق الضفادع في برك الماء بالوادي المجاور.

كل ذلك صار أحلامًا كاذبة حين أخذتَني إلى المدينة يا أبي. صرت أهجو مدن الإسمنت، وأضيع في متاهاتها، وصوتي الخافت صار صراخًا قويًا هادرًا: أريد أمي! لكن بلا جدوى، فقد سرقتني المدينة، وداويت أشواقي إلى أمي بالقراءة، ورحت أدفن همّي في المكتبات، ودور الثقافة، والسينما، وفي التصرفات الغريبة، والإصرار على الاختلاف عن الآخرين، ونبذ المألوف والمعتاد.

ثم خضت غمار الكتابة في سن المراهقة، وأدمنتُ الروايات والقصص والشعر والأدب، ودرستُ القانون والشريعة والتربية.

أرأيتَ يا أبي هذا الاغتراب الروحي والنفسي؟ لو أنك تركتني هناك لما عانيتُ كل هذا الوجع. ما لي أنا وفقهاء الشريعة والقانون والتربية؟ ومن ورّطني للغوص في بحار الأدب؟

تتهمني الآن بالغرابة في التصرفات، وأقول في نفسي، مع علمي أنك لا تفقه ما أقول: هذه شطحات كاتب، وهي في الواقع نوع من أنواع الجنون. لقد تهتُ في مسارات مُتشعبة، وأودية سحيقة، وأوجعني احتشاد النساء في قلبي، وقصص العشق والهجر والفراق والأشواق، وأنا أمثّل دور أبطال روايات الخيال عن وعي وإدراك، وفي كل الأحوال كنت نبيلًا وعفيفًا وصادقًا… وفاشلًا أيضًا.

وتلومني الآن يا أبي، وتحتدّ عليّ حين لا أعمل جنبًا إلى جنب مع عامل المزرعة، وحين لا أعتني بالحيوانات، وحتى حين لا ألتزم بعادات المجتمع وتقاليده. وتنتقد نومي الطويل، ولا تدري أنني أسهر كثيرًا مع كُتبي وأوهامي. وتقسو عليّ إن فاتتني صلاة الجماعة، ولأنني لا أطيل لحيتي ولا أقصّر ثوبي.

كبرتُ أنا، وأنت يا أبي ما زلت تراني صغيرًا. تنصحني فأُعرض عنك، وأستمر في جنوني الذي اعتقدت أن الجنون قد يكون محمودًا فيه أحيانًا.

وأنت السبب يا أبي. لو أنك تركتني أميًّا لكنت سأكون سعيدًا مرتاحًا غير مبالٍ، وما كنت لتجد كل هذه المشقة في تربيتي وتوجيهي.

هذا ما جنيته عليَّ يا أبي، وإني بريءٌ من كل هذا النزق والطيش والجنون.

الأكثر قراءة

z