حمد الناصري
لم تكن الجغرافيا يومًا مجرد خطوط جافة تُرسم على الورق، بل كانت دائمًا مسرحًا لصراع السيادة وتأكيد النفوذ. ومن بين أكبر المغالطات التاريخية التي كرستها المركزية الأوروبية في مُصَوّراتها المستحدثة، هي تسمية "المحيط الهندي" ككتلة مائية مُطلقة، وتغييبِ مسمّى "المحيط العُماني" أو "بحر عُمان الكبير" محور الامتداد الشرقي الشاسع الذي يربط الجزيرة العربية بأقصى الشرق الإفريقي وآسيا.
إنّ التساؤل الحاد والمنطقي الذي يفرضُ نفسه أمام هذا الإقصاء: "هل كانت عُمان هندية يومًا ليتسمّى بحرها باسم غيرها؟" إنّ هذا الطرح هو المدخل العِلمي لتفكيك هذا الجور الخرائطي وتعرية الأقلام غير العادلة التي طمست مجهود السيادة البحرية للعرب.
وبالعودة إلى الوثائق والمُصنفات الجغرافية والخرائط التاريخية الإسلامية والعربية القديمة التي سبقت الوجود الأوروبي في المنطقة بقرون- كمصنفات المسعودي (مروج الذهب)، والإصطخري، وابن حوقل، وأبي زيد السيرافي- نجد أنّ هذا الخضم المائي الأعظم لم يكن يُعرف باسمه المعاصر المُقْحَم؛ بل كان يُقَسّم وفقًا لدوائر السيادة البحرية الفعلية وحركة الملاحة التجارية. وكان يُطلق على الجزء الأكبر والمحوري المحاذي للجزيرة العربية والمنطلق نحو الشرق الإفريقي وآسيا اسم "بحر عُمان" أو "بحر لاروي"؛ وهو اللفظ الملاحي التاريخي الفصيح الذي وضعه جغرافيو العرب الأوائل واصِفين به البحر الثاني في نظام "البحار السبعة" الشهير، والتي تلتقي جميعها في بحر عُمان الشرقي الكبير بوصفه مجمّعًا لهذه البحار وقُبالة واجهتها الشرقية، ويمتد نطاق الملاحة فيه بَدْءًا من سواحل مدينة صُور التاريخية البحرية ليشمل لجة بحر العرب المفتوح. وهو النطاق الملاحي الذي دارت فيه أشرعة السفن العُمانية شقًا وسبرًا للأعماق. وهذا ما وثّقه علمًا الشريف الإدريسي في مُصَوره الجغرافي الشهير بقرون؛ إذ خطّ في خرائطه حدود هذا البحر السيادية كمنطلق للملاحة العالمية.
إنّ تسمية "المحيط الهندي" هي تسمية مُستحدثة فرضتها الأساطيل الاستعمارية (البرتغالية والبريطانية) لاحقًا بناءً على "الوجهة الاقتصادية المُستهدفة" وهي الهند، وليس بناءً على هوية من يملك العِلم والسيادة الفعلية ومَخَر عُباب تلك المياه شرقًا وغربًا. والشواهد التاريخية تؤكد أنّ شعوب شبه القارة الهندية لم يكونوا أصحاب أساطيل مَخَرت وسَبَرت أعماق البحر العميق، بل كانت سُفن النواخذة العُمانيين وبحارة الخليج العربي هي المحرك الأساسي للتجارة وكانوا حُرّاسًا للمسارات الملاحية عبر القرون، مُستندين إلى المخطوطات الملاحية وأدوات القياس الفلكي الفصيحة التي برعوا في ابتكارها دون غيرهم.
وهُنا، تتجلى ذروة المُغالطة وفقدان المصداقية التاريخية في شخصية البرتغالي "فاسكو دي جاما"، الذي يُقدمه التاريخ الغربي باعتباره "المُستكشف العظيم" لمحور رأس الرجاء الصالح وبحر العرب.، وبالتحليل المُقارن نجد "فاسكو دي جاما" بين زيف الاستكشاف وحقيقة التجسس؛ فالتحليل التاريخي المقارن لليوميات الملاحية والوثائق البرتغالية والعربية يكشف عن تزييف مُمنهج للحقائق:
أولًا: من حيث الكفاءة العِلمية والملاحية: دخل "دي جاما" مياه بحر العرب بسفن حربية برتغالية ثقيلة، لكنهُ كان مع طاقمه "عُمْيانًا" من الناحية الملاحية الفلكية؛ إذ لم تكن لديهم أدنى معرفة بالرياح الموسمية التي يُطلق عليها الغرب اليوم لفظ "المونسون" (Monsoon)، مُتناسين ومُغيبين حقيقة أنّ اللفظ في أصله المعجمي تحريفٌ أوروبي مُستحدث للفظ "المَوَاسِم" العربي الأصيل، الذي صاغه ونظم علومه وأوقات هبوبه النواخذة العُمانيون في مُصنفاتهم الملاحية الباكرة للتحكم بحركة الأشرعة. وعلى رأسها كتاب "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد" لأحمد بن ماجد، وكتاب "العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية" لسليمان المهري. وتلك المصنفات هي التي دحضت مزاعم الاستكشاف الغربية بوجيز العبارة ونصها الحيّ؛ إذ يقرر ابن ماجد في "فوائده": (أن للملاحة في هذا البحر مواقيت محدودة، فمن ركب البحر في غيْر موسمِهِ فقد خاطرَ بماله ونفسه.. وإنّ تِيار البحر الأعظم ينحرفُ عند سواحل عُمان شِدّةً)، بينما يفصل تلميذه المهري في "عمدته" هول تلك الأعماق قائلًا: (إنّ بحر لاروي كثير العواصف، عظيم الرعود، وتياراته المائية تسير في لجج عميقة لا تُبقي سَفينةً خارجةً عن المجاري الآمنة) فهذه الحقائق المكتوبة تُثبت أنّ المسارات والرياح كانت علومًا عُمانية مُستقرة قبل أن تطأها أقدام البرتغاليين الذين جهلوا أبسط أبجديات مساراته الآمنة الشائكة وسط العواصف والتيارات العميقة.
ثانيًا: حقيقة الاستعانة بالرشاد العُماني: تُجمع التحليلات التاريخية المُنصفة على أن "دي جاما" تاهت سُفنه وشارفت على الهلاك المحقق، ولم يُنقذه من هذا الارتكاس إلا الاستعانة صاغرًا بعِلم وخبرة أمير البحار والملاح العماني "أحمد بن ماجد". لقد أطّلعه ابن ماجد على وثائق وخرائط ملاحية مرسومة بدقة متناهية، وقاده باستخدام آلات فلكية معقدة للغاية صاغها العرب وسبروا بها الأغوار (كالكمال والباشري وقياس النجوم) وتلك أدوات ومقاييس ملاحية خشبية وفلكية مادية، كان النواخذة العُمانيون يمسكونها بأيديهم في عرض البحر لقياس أبعاد النجوم واهتداء مساراتهم، والتي كانت مغيبة تمامًا عن مُصَوّرات الغرب البدائية في ذلك الوقت. وهذا التيه البرتغالي ليس ادعاءً؛ بل هو حقيقة ناطقة تُقر بها وثيقة اليوميات البرتغالية الرسمية للرحلة (Roteiro) المحفوظة في مكتبة بورتو؛ حيث اعترف طاقم "دي جاما" صراحةً بعجزهم الملاحي المُطلق في بحر العرب، مذهولين من دقة الخرائط والقياسات الفلكية العربية التي تفوّقَت على مُصَوّرات عجم البرتغال بأجيال عِلمية كاملة، داحضةً في الوقت ذاته فِرية "كاكا" الآسيوية الزائفة، ومؤكدةً أنّ أدوات الملاحة وأراجيز البحار كُتبت بلسان وبنان عربي خالص لا يملكه غيرهم.
وبناءً على هذه المقارنة العِلمية، يتضح أنّ الجانب البرتغالي لم يستكشف مسارات جديدة بعلمه، بل كان دي جاما مُغامرًا عسكريًا ومُستكشفًا جاسوسًا، اعتمد على سرقة ونقل المجهود العِلمي المُتراكم لبحّارة مات منهم خَلق كثير في عرض البحر وهم يُرَوضون الأعماق ويصيغون خطوط الملاحة الآمنة، لينسب الغرب المجد لنفسه لاحقًا بلا أمانة تاريخية.
خُلاصة القول.. إنّ تزييف الخرائط والدفاع عن السيادة الفكرية بأقلام غير عادلة، كتبت التاريخ السائد ولم تكتفِ بتغييب الحقوق المادية، بل زَوّرت الجغرافيا الفكرية للمنطقة. إنّ قراءةَ وثائق الملاحة القديمة وإثبات الهوية الحضارية "المحيط العُماني" وواجهته البحرية الشرقية ليس مجرد انحياز عاطفي، بل هي ضرورة بحثية لتصحيح التزوير الاستعماري.
والسؤال أطرحه مرة أخرى: من الذي سَبر الأعماق، ومن الذي قام بتدوين المسارات، ومن الذي وقف في مُواجهة التيارات المائية؟ أليسوا هم البحّارة العُمانيون الأوائل؟
