العالم الإبداعي المُصبغ بالشعور

 

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

ارسمني لحنًا تأمليًا لتصدح به طيور العقل والروح.

عندما ينغمس الشعور بالصبغة الأدبية تتحول كل معطيات الظروف إلى قصص حزينة أو بائسة، تضمحل القصائد أو الأبيات الشعرية إلى عناقيد من السواد، تتدلى من شجرة الضيق والكآبة. هل لأن الأدب عموما يكون إبداعا عندما تلونه أقلام الحزن؟ أم لأن الحزن لا يكون إبداعا إلا عندما تتنفسه الكلمات البائسة، يشرَئِب صوت الشعور على وقع الترنيمات الحزينة، فيكون مستباحا في التأمل والهدوء والسكينة، يتنمل الحزن بأطرافه المجعدة وهو يواكب الحنجرة الباكية.

قصيدة تنادي بصوتها الأجش خفقة قلب تاهت في عاصفة الثكل، وصوت ناي يتلحف بثوب الغروب وهو يتضامن مع اللون الوردي المائل إلى الاحمرار. تستوقف اللحظة معنى التأمل الممزوج بشعور الفراق، أو تستظل الهُنيهة دلالة الرجفة التي يئن بها القلب المجروح.. أو الروح المكلومة. لذلك تصطبغ اللهفة بالإبداع، لأنها موشومة بصوت التضامن الموازي للشعور. نحن نبحث عمَّن يربت على أكتافنا حينما تترنح أرواحنا في دياجير الحزن الكئيب، ونفتش عن الأنامل التي تمسح دموعنا المستظلة برموش سواد الليل وسواد الموقف. ليس بالضرورة أن نرى صاحب الأنامل بقدر ما تلتئم فتحات الحزن على الخد.

كذلك الشاعر أو الأديب عموماً يرى في عمله الأدبي الأنامل الخفية، يستشعر اليد الحنونة وهي تربت على كتف نصه أو شعره. يتمادى أحياناً هذا الأديب ويحق له التمادي في عالم الإبداع.. يتمادى فيُعلن إبداعه بكل قوة وجرأة فيلقم عمله في حنجرة أخرى ليس لها علاقة بما كان يستشعره. وهذه الأخرى قد تكون منتظرة على هدير الانتظار لمثل هذه القصيدة الشعرية. تصدح بما أوتيت من قوة، بعد أن تكون الكلمات قد وزعت بفن التلحين الرائع. إنها متوالية جميلة وسمفونية مسترسلة على وقع الإبداع الذي سينصب في الأخير لمن أعطى للإبداع حقه. الشاعر أو الفنان أو الملحن أو الموزع. هو الشعور المصطبغ باللون الأدبي، هي الأحاسيس المتزخرفة بالنكهة الأدبية، حلقات متصلة بعضها ببعض، وأنفاس متكاملة مع ذات المعنى. فقط ينطبق هذا التأمل الإبداعي على نوعية معينة من رائحة الإبداع، وعلى فئة محددة من ترنيمات الجمال الحسي. هذه الفئة لا تبحث عن شهرة ولا كسب مالي، لا تكترث لمن يتسابق على حصد الفائدة المادية؛ بل هي في الحقيقة لا تهتم بأن تعرف لا من قريب ولا من بعيد.

وهذا ما يُؤكد حقيقة أن الكثير من الأعمال الإبداعية (الفنية) تاه مبدعها في زحمة مبدعها. أي سيعرف الناس (الفنان الفلاني) ويختفي الشاعر والملحن والموزع، سيشرق الصوت على حساب الإحساس، وتتلون أصداء الإبداع بخفاء المبدع الحقيقي بانبجاس المسموع على المحسوس. بالتأكيد بأنَّ هذا بحد ذاته إبداع؛ فالمقدرة الصوتية والتي استطاعت بكل حرفنة أن تُبرْوِز الإبداع بحنجرتها، هي القالب الحقيقي للإبداع، والإطار الصحيح للوحة الإبداعية. ولكنني ما أعنيه بأن ذلك الجندي المجهول الذي يتوارى خلف المنظومة الإبداعية سيبخس حقه.

وقد يكون هذا ما يُريده، تفجير منظومة إبداعه بشعلة مستترة، وهذا ما يكتشفه المتابع والمتلقي، كم من الأعمال الإبداعية مجهولة الاسم أو مستعارة الكنية. كان ذلك في زمن قد ولت أحداثه الإبداعية، كان الوقت رحيماً لحضن التخفي، وحنوناً لمأوى الخصوصية. لكن بعد امتزاج الغث بالسمين، والصالح بالطالح، والحقيقي بالمزيف، ارتأى الإبداع يواجه الحقيقة أي كانت أوضاعها ومكانتها سواء أكانت اجتماعية أو غيرها. ارتأت أن تستضيء بنور الحقيقة للحفاظ على روح صاحب الإبداع الحقيقة. تواكبت المتغيرات الحديثة بتقنياتها، وأيدت حقيقة وضوح صورة الجندي المجهول، الذي بالتأكيد سيزداد إبداعاً مع مواكبة المتغيرات.

ستكون هناك خوازميات من نوع آخر مصطبغة مع معطيات الشعور، ستكون هناك الكثير من المعطيات التي ستزين الجمال الإبداعي للأدب والفن. وكل من يبحث عمن يربت على أنفاسه الحزينة، سيجد ذلك العنفوان الرائع مُتقوْلِب في مصفوفة المزاج الشعوري، سيجد بتلقائية عفوية وأنامله تطبع على حروف اللوح الرقمي، تختار ما يحتاجه مزاجها ويستكين له.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z