◄ مختصون يحذرون من الاعتماد المُفرط على التقنيات الحديثة للحفاظ على جوهر التعليم ودور المُعلِّم في بناء الأجيال
◄ الحاتمية: دمج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في التعليم ضرورة لمواكبة التغيرات
◄ الغافرية: التكنولوجيا أداة تمكين وتعزيز وليست بديلة عن العنصر البشري
◄ اليعقوبي: التقنيات الحديثة وسيلة لتطوير التعليم وليست بديلة عن المُعلِّم
◄ المنذري: جوهر التعليم يكمن في بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته
◄ اللمكي يطالب بغرس ثقافة التعلم المستمر والتكيف مع متغيرات سوق العمل
◄ الأسرة والمدرسة شريكان في توجيه الطلبة محو الاستخدام الآمن والفعّال للتكنولوجيا
الرؤية- ناصر العبري
يؤكد عددٌ من المختصين أن قطاع التعليم يشهد تطورًا مستمرًا مع الانتشار المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، لافتين إلى أن هذه التقنيات الحديثة لا يمكن استبدالها بالدور الذي يقوم به المُعلِّم داخل الصفوف، لكنها تفتح آفاقا جديدة لتطوير أساليب التعليم وتحسين تجربة الطالب والمُعلِّم، مع الحرص على الحفاظ على جوهر العملية التعليمية القائم على بناء شخصية الطالب، وتنمية التفكير النقدي والإبداع، وتعزيز القيم والمهارات الإنسانية.
وتقول الدكتورة عفراء بنت حمد بن زهران الحاتمي، دكتوراه في علم المكتبات والمعلومات بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بولاية عبري، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي برزت كأداة ثورية تمكن المؤسسات التعليمية من تحليل سلوكيات المتعلمين، وتخصيص المحتوى التعليمي، وأتمتة العمليات الإدارية، وتقديم دعم ذكي لكل من الطلاب والمُعلِّمين، مما يجعله عاملا حاسما في قيادة التحول الرقمي نحو نماذج تعليمية أكثر ذكاءً واستدامة، مضيفة أن دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم أصبح ضرورةً لمواكبة التغيرات المتسارعة.

وتشير إلى أن نجاح هذا الدمج لا يرتبط مباشرة بحجم استخدام التكنولوجيا، بل بقدرتها على دعم أهداف العملية التعليمية وتعزيز التعلم، والفهم، والتفكير النقدي، والإبداع، مشددة على ضرورة توجيه التكنولوجيا نحو تعزيز الفهم العميق والتحليل والابتكار واستخدامها لأتمتة المهام الروتينية وتحليل أداء الطلاب، لتوفير مسارات تعليمية مُخصصة مع ضمان ألا تتحول العملية التعليمية إلى مجرد استظهار آلي للمعلومات، وأن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا كأدوات داعمة لخدمة التعليم، وليس بديلاً عن المُعلِّم والقيم والفكر الإنساني.
وحول السبل الكفيلة بتحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والمحافظة على دور المُعلِّم والقيم التربوية والإنسانية في التعليم، تذكر الحاتمية: "يكمن تحقيق التوازن في الحفاظ على الدور الأساسي للمُعلِّم كمرشد وميسر للتعلم، مع توظيف التكنولوجيا لتقييم احتياجات الطلاب، وتقديم مواد تعليمية تفاعلية، وتخصيص مسارات التعلم، وتيسير الوصول إلى مصادر المعرفة، وتبقى الإنسانية هي العنصر الأساسي في التعليم؛ فبينما توفر التكنولوجيا المعلومات، يغرس المُعلِّم القيم والأخلاق والتعاطف، وهي وظيفة تعجز عنها خوارزميات الحاسوب".
كما تؤكد أن التقنيات الرقمية ساهمت في خلق بيئات تعليمية أكثر مرونة وتفاعلية، متجاوزةً الحدود الجغرافية، وموسعةً نطاق الوصول إلى المعرفة، ومُنَوِّعةً أساليب التعلم، مع ذلك، قد يؤدي الاعتماد المفرط عليها إلى إعاقة تنمية مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والتفكير الإبداعي التي تُعززها أساليب التعلم التقليدية، مبينة: "من المشكلات المرتبطة بهذا الاعتماد المتزايد: تشتت الانتباه، وانخفاض القدرة على التركيز طويل الأمد، وفقدان مهارات التواصل المباشر، والاعتماد المفرط على الأجهزة الذكية، ومخاطر المعلومات المُضلِّلة، وعدم كفاية آليات التحقق من المصادر، حيث لا تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي محاكاة التعلم الاجتماعي والعاطفي الناتج عن التواصل البشري، والذي يُعدّ عنصرًا أساسيًا في التعليم المتكامل، وقد يُشكِّل تقليص فرص التفاعل البشري مصدر قلق حقيقي.
وتشدد الحاتمية على ضرورة أن تتشارك المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور مسؤولية توجيه الأجيال القادمة نحو الاستخدام الآمن والفعّال للتكنولوجيا، حيث ينبغي على المؤسسات التعليمية وضع سياسات واضحة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتدريب المُعلِّمين والطلاب، وتطوير مناهج وأساليب تقييم ملائمة للبيئة الرقمية ومحو الأمية الرقمية، مع تعزيز الإشراف الإيجابي والفعّال، كما تضطلع الأسر بدور محوري في توجيه استخدام التكنولوجيا، ومراقبة أنشطة الأبناء على الإنترنت، وتعزيز التوازن بين التعلّم الرقمي والتفاعل الاجتماعي والإنساني.
من جانبها، تقول الدكتورة مريم بنت سيف الغافري، رئيسة قسم التعليم المستمر وخدمه المجتمع بفرع جامعة التقنية والعلوم التطبيقية في عبري، إن التوظيف الناجح لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يبدأ من اعتبارها "أداة تمكين وتعزيز" لا بديلة عن العنصر البشري؛ فالذكاء الاصطناعي يبرع في تخصيص مسارات التعلم، وتحليل البيانات، وتقديم تغذية راجعة فورية للطلبة، مضيفة أنه للحفاظ على جوهر التعليم، يجب توجيه هذه التقنيات نحو تحفيز التفكير النقدي، وحل المشكلات، والبحث العلمي، لا لمجرد الحفظ والتلقين، مع ضمان بقاء القيم الأساسية للتعلم كبوصلة موجهة لأي تطبيق تقني.

وتؤكد: "المُعلِّم هو الروح النابضة للعملية التعليمية، والتقنية مهما بلغت تطورها لا يمكن أن تنقل القيم والإنسانية، ولتحقيق التوازن، يجب إعادة هندسة دور المُعلِّم ليتحول من ملقن للمعلومة إلى مُيسر وموجه ومُلهم، كما يجب أن تظل الفصول الدراسية بيئة للتفاعل الإنساني، والحوار الحي، وبناء الشخصية، بحيث تخدم التكنولوجيا هذا التفاعل ولا تطغى عليه، مع التأكيد الدائم على غرس القيم والأخلاق الحميدة التي لا تمنحها الشاشات".
وتشير الغافرية إلى أن التقنيات الرقمية أسهمت في كسر حواجز الزمان والمكان، وإتاحة مصادر معرفية غير محدودة، ورفع كفاءة العمليات الإدارية والأكاديمية، مما انعكس إيجاباً على مرونة وسهولة العملية التعليمية. أما عن أبرز التحديات، فتوضح أنها تتمثل في خطر تراجع مهارات التركيز العميق والتفكير المستقل لدى الطلبة نتيجة الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة، إلى جانب التحديات المتعلقة بالأمن السيبراني وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي (مثل النزاهة الأكاديمية وحماية البيانات)".
وفيما يخص إعداد الطلبة للاستخدام المتوازن لهذه التقنيات فتقول: "لكي ينتقل الطلبة من التعليم التقليدي إلى التعليم المنتج والمبتكر، فإن ذلك يتم من خلال دمج المهارات الرقمية المتقدمة في المناهج، والتركيز على مهارات القرن الحادي والعشرين مثل: المرونة، والابتكار، ومحو الأمية الرقمية والذكائية، والقدرة على التعلم المستمر، كما يجب ربط المؤسسات التعليمية بسوق العمل عبر مشاريع عملية وشراكات حقيقية تحاكي متطلبات المستقبل المتغيرة باستمرار.
وتطالب الغافرية بإيجاد شراكة تكاملية بين المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور من خلال وضع أطر تنظيمية وسياسات واضحة لاستخدام التكنولوجيا، وتقديم برامج توعوية مستمرة للطلبة والمُعلِّمين حول الاستخدام الواعي والآمن للتقنية، ووضع ضوابط واعية في المنزل لأوقات استخدام الشاشات، وتشجيع الأنشطة البدنية والاجتماعية الواقعية، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء.
وفي السياق، يؤكد الدكتور خليفة بن حارب اليعقوبي أنه يمكن توظيف التطور التقني والذكاء الاصطناعي في التعليم إذا تعاملنا معهما بوصفهما وسيلتين لتطوير التعليم لا بديلين عن المُعلِّم أو عن جوهر العملية التعليمية فالتقنية تستطيع أن تختصر الوقت، وتساعد المُعلِّم في إعداد الأنشطة، كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتيح للطالب فرصًا أوسع للبحث والتعلّم والتجريب والحصول على تغذية راجعة سريعة، مشيرا إلى أنهما ليسا بالبديل الناجح عن المُعلِّم، إذ إن الآلة مهما بلغت من ذكاء لن تصل للذكاء البشري؛ لأن من صنعها هو الإنسان، كما أنه لا ينبغي السماح للذكاء الاصطناعي بأن يفكر نيابة عن الطالب، بل أن يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد.

وحول تحقيق التوازن، يقول: "التقنية أداة في يد المُعلِّم وليست بديلًا له، فمهما تطورت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإنها تستطيع تقديم المعرفة وتحليل البيانات واقتراح الأنشطة، لكنها لا تستطيع أن تقوم بالدور الإنساني والتربوي للمُعلِّم بالصورة نفسها؛ فالمُعلِّم لا يعطي مادة فحسب، بل يعلم ومع التطور الحالي أصبحت الحاجة ماسة لتغير أساليب التقويم والواجبات، ولا يكون إعداد الطالب من خلال البرامج وكيفية التعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل من خلال إعداد منظومة أخلاقية في كيفية التعامل مع التطور الجديد مواكبته، كما أن اختيار المواد والتخصصات المناسبة لسوق العمل تجعل دراسة الطالب تسير جنبا إلى جنب مع متطلبات سوق العمل، فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا لوظائف عدة، والمسؤولية مشتركة بين المؤسسات التعليمية وأولياء الأمور من خلال توجيه الطالب نحو التخصصات المناسبة لسوق العمل مع الأخذ بالاعتبار أخلاقيات استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. والاستخدام الآمن والأخلاقي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي يجنب مستخدمي التطبيقات من الوقوع تحت طائلة الغش والاستخدام السيئ".
وفي السياق، يلفت الدكتور فهد بن سيف المنذري إلى أن التقنية وسيلة للتعليم وليست بديلًا عنه، وان جوهر التعليم لا يتمثل في الحصول على المعلومات فحسب، وإنما في بناء شخصية الطالب، وتنمية قدرته على التفكير والتحليل والنقد والإبداع، وترسيخ القيم والسلوك والمسؤولية الاجتماعية لديه، ومن هنا ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي بوصفِهِ قيمةً حقيقية للعملية التعليمية، كشرح المفاهيم بطرائق مختلفة، وتقديم تدريبات تناسب مستوى كل طالب، والمساعدة في البحث، وتوليد الأسئلة، وتحليل البيانات التعليمية، والكشف عن جوانب الضعف والقوة لدى المتعلمين، كما يمكن أن يتيح للمُعلِّم وقتًا أكبر للمهام التربوية والفكرية، من خلال مساعدته في بعض الأعمال الروتينية، كإعداد نماذج أولية للأنشطة والأسئلة والمواد التعليمية، على أن تبقى المراجعة والتقويم بيد المُعلِّم.

ويضيف: "إذا كانت التقنية تنمّي الفهم والاستقلالية والبحث والتفكير فهي إضافة، أما إذا كانت تجعل الطالب متلقيًا يعتمد عليها في كتابة واجباته وإنتاج أفكاره والإجابة عنه، فإنها عندئذ تضر بجوهر التعليم حتى وإن بدا أداؤه الظاهري أفضل، ويتحقق التوازن في هذا الأمر بإعادة تعريف دور المُعلِّم؛ فالتقنية لن تُلغي المُعلِّم الجيد، لكنها ستغيّر طبيعة عمله، فبدل أن يكون دوره قائمًا أساسًا على نقل المعلومة، يصبح أكثر تركيزًا على التوجيه، والتحليل، والحوار، وتنمية التفكير، واكتشاف المواهب، وبناء شخصية الطالب، وهذا يجعل الحاجة إلى جُهد المُعلِّم أكثر عمقًا، لا أقل أهمية، والآلة يمكنها أن تقدم معلومات وتفسيرات واقتراحات في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تقوم بالدور الإنساني الذي يقوم به المُعلِّم في فهم ظروف طلابه، وتحفيزهم، وغرس الثقة في نفوسهم، وبناء الانتماء، وتعليمهم المسؤولية والاحترام والحوار والعمل الجماعي، ويتطلب التوازن كذلك وضع مواثيق واضحة للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي داخل المدارس والجامعات؛ بحيث يعرف الطالب متى يجوز استخدامه، ومتى يصبح استخدامه إخلالًا بالأمانة العلمية، كما ينبغي تطوير طرق التقويم نفسها؛ فالواجب الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه كاملًا في دقائق لم يعد أداة كافية لقياس تعلم الطالب، ولهذا يمكن التوسع في المناقشات الشفوية، والمشاريع التطبيقية، وحل المشكلات، والتقويم داخل الصف، وتوجيه الطالب إلى تفسير الخطوات التي اتبعها للوصول إلى النتيجة، وباختصار، المطلوب ليس المفاضلة بين المُعلِّم أو التقنية، وإنما بناء علاقة يكون فيها المُعلِّم قائدًا للعملية التعليمية، والتقنية أداة في يده، والقيم هي الإطار الذي يحكم الاثنين معًا"ز
ويحذر المنذري من خطر الاعتماد المفرط على التقنية بما يضعف قدرة الطالب على التفكير المستقل، والبحث، والقراءة المتعمقة، والتعبير الإبداع، مشددا على ضرورة أن تجمع المناهج بين مهارات التقنية والمهارات الإنسانية والفكرية، مع وضع سياسة محددة للاستخدام المسؤول للتقنية والذكاء الاصطناعي، وتدريب المُعلِّمين والطلبة على استخدامها، وتدريس الثقافة الرقمية وأهمية التحقق من المعلومات وحقوق الملكية الفكرية والأمانة العلمية، مع مراجعة المناهج وطرق التقويم بما يتلاءم مع عصر الذكاء الاصطناعي.
بدوره، يقول سالم بن حمود بن حامد اللمكي، رئيس قسم الشبكات والاتصالات بتعليمية الظاهرة، إن الذكاء الاصطناعي والتقنية وسيلة لتطوير التعليم وليس بديلاً عن الهدف الأساسي المتمثل في بناء الإنسان، وتنمية تفكيره النقدي، وتأصيل قيمه الأخلاقية، مبينا أن تحديات توظيف هذه التقنيات تتمثل في الفجوة الرقمية وخطر التراجع المعرفي جراء الاعتماد المفرط على الحلول الجاهزة، وقضايا الأمن السيبراني والخصوصية.

ويقترح اللمكي بتنمية مهارات حل المشكلات المعقدة والتفكير الإبداعي ودمج مبادئ البرمجة والبيانات مبكرا، وغرس ثقافة التعلم المستمر والتكيف مع متغيرات سوق العمل، ووضع سياسات واضحة للاستخدام وتدريب المُعلِّمين تربيا ونشر ثقافة المواطنة الرقمية، كما يجب على أولياء الأمور تقنين أوقات الاستخدام لمنع الإدمان الرقمي وتشجيع التفاعل الاجتماعي الواقعي.
