عدالة السماء

حاتم الطائي

◄ تحولات جذرية في المشهد السياسي الأمريكي تفضح "الترامبية" والصهيونية

◄ ترامب وأعوانه يدفعون ثمن جرائمهم بغزة وإيران في صناديق الاقتراع

◄ عدالة السماء تنتصر للمُستضعفين وتكسر شوكة الظالمين

جرائم الإبادة الجماعية في غزة وجرائم الحرب التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي بدعمٍ أمريكي مفضوح في فلسطين ولبنان والعراق وإيران وسوريا وغيرها من البلدان، كشفتْ جميعها عن تحوُّلات جذرية في المشهد السياسي العالمي، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فصوت صرخات أطفال غزة الأيتام والأرامل الفلسطينيات وآهات الشيوخ والبكاء المكتوم في صدور شباب فلسطين، يجد طريقه إلى ضمائر الناس في كل مكان، لأن ثمن التضحيات لن يذهب سُدى، وستظل الدماء التي خضّبت رمال غزة وترابها شاهد عيان على الجُرم المشهود هناك.

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، وانكشاف الجرائم الصهيونية الأمريكية في غزة وكامل فلسطين المحتلة، والرأي العام العالمي يغلي لما يراه من مشاهد يندى لها الجبين، وتقشعر منها الأجساد، غضبًا ورفضًا لانتهاك الكرامة الإنسانية. ففي شوارع مدريد وفيينا وبروكسل وبرشلونة، وفي جامعات كولومبيا ونيويورك وييل وكاليفورنيا وتكساس وغيرها، انتفضت الجماهير والطلاب وأساتذتهم ضد المذابح الصهيونية في غزة وفلسطين المحتلة، ودفعوا ثمن التعبير عن رأيهم بكل بسالة، فمنهم من تعرض للفصل المؤقت أو الطرد، ومنهم من واجه الإبعاد خارج أمريكا بأكملها.

صعدت القضية الفلسطينية لدى الرأي العام الأمريكي، لتهزم السردية الصهيونية التي هيمنت لعقود وشكلت وعيًا زائفًا لدى النخب والجماهير الأمريكية بحق إسرائيل، ورفعت هذه السردية شعارات واهية مثل: معاداة السامية والهولوكوست، إلّا أن الإبادة الجماعية التي أسفرت عن أكثر من 73 ألف شهيد، و175 ألف مصاب ومبتور الأطراف، أزاحت الغشاوة عن عيون الشعب الأمريكي، فازداد التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية، وتعرّى دور المنظمات الصهيونية وما تقوم به من ممارسات غير أخلاقية، وما قضية إبستين ببعيدة عن هذه المُمارسات، ولا التهديدات الموجهة لقضاة المحكمة الجنائية الدولية، وما خفي أعظم!

وكلما ازداد البطش الإسرائيلي وقتل العُزل من المدنيين والأطفال والنساء دون جريرة، ازداد التعاطف العالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

ومع بلوغ هذا التعاطف ذروته، جاءت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران؛ لتفضح بدرجة أكبر الدور التخريبي لكيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في هدم منظومة السلام العالمي. وفي خضم هذا الزخم، بدأت الأصوات الأمريكية تتعالى مثل الإعلامي تاكر كارلسون والسيناتور الأمريكي بيرني ساندرز وغيرهم، وعادت مشاهد المظاهرات الكبرى الرافضة للحرب والمتسائلة عن مصير أموال دافعي الضرائب التي تذهب دون جدوى في هذه الحرب العبثية التي اختلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتواطؤ مع مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.

لقد أصبح السؤال المطروح الآن في الولايات المتحدة: لماذا نمول حرب الإبادة؟ ولماذا ندفع من أموال الضرائب دعمًا لإسرائيل؟

هذه الأسئلة دفعت سياسيين شرفاء مثل زُهران ممداني وعبدالرحمن السيد، لقيادة تيار قوي في الساحة السياسية الأمريكية، يرفع اللاءات في وجه ترامب وأمراء الحرب ومجمع الصناعات العسكرية الأمريكي واللوبي الصهيوني. أمثال هؤلاء الشرفاء انتفضوا لكرامة الإنسان، ودافعوا عن حق كل فرد في هذا العالم أن يعيش في سلام واستقرار، وهاجموا ما يقوم به ترامب وأعوانه من هدر لأموال دافعي الضرائب لصالح إسرائيل، الكيان العصابي الذي يمارس أبشع صور الإجرام، بينما تُعاني المؤسسات التعليمية والصحية في أمريكا من الضعف والوهن وتراجع حاد في مستوى الخدمات بسبب نقص التمويل، الذي بات يذهب جُله لتمويل الحروب، وهنا نحن نتحدث عن تريليونات وليس مليارات الدولارات!

وفي هذا السياق، أصبح الناخب الأمريكي أكثر وعيًا في التصويت بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، ولذلك نستطيع أن نفهم كيف فاز السياسي الأمريكي عبدالرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، في مؤشر بالغ الأهمية على ما ستُفرزه نتائج الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل، وهي الانتخابات التي تشير التوقعات إلى أنَّ الديمقراطيين سيحققون اكتساحًا كبيرًا، وكلمة السر "فلسطين".

لقد أضحت القضية الفلسطينية العامل الحاسم في الانتخابات؛ إذ إن جيل الشباب المناهض لحرب الإبادة يُعلن بلا مواربة انتصاره لقيم الإنسانية والعيش المشترك، في مواجهة التطرف الصهيوني واللوبي الإجرامي التابع له والمُخترق للحياة السياسية الأمريكية.

الآن نستطيع القول إن دماء غزة تفرض نفسها وبقوة في الانتخابات الأمريكية وتعيد تشكيل أولويات الناخب الأمريكي في المطالبة بالعدالة الاجتماعية وكبح هيمنة اللوبي الصهيوني المتواطئ مع لوبي مجمع الصناعات العسكرية الأمريكية. الآن نسمع أصوات أطفال غزة وصرخاتهم تُطارد القتلة ومجرمي الحرب وتُجّار السلاح والإرهاب الصهيوني.. أصوات تُرعبهم وتزلزل منظماتهم التي ظلت لعقود مُهيمنة على مراكز صنع القرار في دوائر الحكم الأمريكية. وأصوات أطفال غزة وصرخاتهم تتداخل مع أصوات الناخبين الأمريكيين؛ لتُشكِّل المشهد الجديد المُزلزل لأبجديات السياسية الأمريكية التي ظلت طيلة عقود مؤيدة وداعمة لإسرائيل. سياسات جديدة ستعمل على مُعاقبة كل من ساهم في حرب الإبادة؛ فدعاء الأمهات المُستجاب- بإذن الله- والثكالى والمكلومين لا بُد أن يصل.. فالله يُمهل ولا يُهمل.

وفوز عبدالرحمن السيد ليس ظاهرة معزولة عن هذا المشهد، وإنمَّا إيذانٌ بميلاد تيار جديد يتجاوز المنظومة القديمة، تلك التي سيطر عليها الصقور دومًا في الحزبين الديمقراطي والجمهوري. عبدالرحمن السيد تجسيد حقيقي لجيل سئم الحروب ورائحة الدماء، جيل يسعى لبناء عالم أكثر عدالة وإنسانية. لذلك لا يُخالطنا شكٌ في أن "الترامبية" القبيحة ستتعرض لهزيمة مُزلزلة؛ الأمر الذي يُشكِّل رُعبًا لترامب وأعوانه وأولئك المتورطين في فضائح إبستين، لأنَّ وصول هذا التيار الحُر الطاهر من أي ولاءات للصهيونية، يعني محاكمة ترامب والسعي في مسار عزله من منصبه. وهذا ما يُفسِّر حالة الهلع التي تظهر على ترامب عندما يذكر اسم "عبدالرحمن السيد" الذي يُمثل قائدًا لهذا التيار الجديد، الذي بات المنافس الأقوى في وجه حركة "ماجا" المؤيدة لترامب، والتي بدأت تتخلى عنه تدريجيًا؛ لأنَّ الطبقة الوسطى الرافضة لـ"الترامبية" لم تعد تنطلي عليها أكاذيب ترامب وتُرّهاته وهذيانه.

وليس بعيدًا عن غزة، كشفت الحرب على إيران، عن نقاط ضعف كبيرة في الجيش الأمريكي الذي لم يستطع حماية قواعده في المنطقة؛ بل وتعرضت الدول المستضيفة لهجمات بالصواريخ الإيرانية المتقدمة والطائرات المُسيّرة، ورغم ذلك ما يزال البعض يدفع المليارات طلبًا لحماية لم ولن تتحقق.

ويبقى القول.. إنَّنا الآن نشهدُ بداية القصاص الإلهي الذي وعدنا الله به، إنها عدالة السماء التي لا تغيب شمسها أبدًا، في تأكيد على أنَّ سيادة العدل لا ترتبط بأي قوة عسكرية؛ سواء تلك التي تجّبرت ومارست الإبادة، أو أولئك الذين لم يحركُّوا ساكنًا ولا جنديًا واحدًا نحو فلسطين المُحتلة. وسيظل شبح الإبادة في غزة يُطارد كل من تورط في هذه الحرب اللعينة، بشكل مُباشر أو غير مُباشر، وستُكتب نهايته السوداء قريبًا، وسيذهب هو ومن معه إلى مزبلة التاريخ، وما ذلك على الله بعزيز.

الأكثر قراءة

z