الاستثمار وتحديات القطاع الخاص

حاتم الطائي

مقدار استفادتنا من مقوماتنا الاقتصادية ما يزال دون الهدف المأمول

تعارض بعض السياسات يستدعي تدخلًا من أعلى الجهات لفض الاشتباك

نقترح إنشاء صندوق وطني لدعم نمو القطاع الخاص بإشراف "مجلس التنسيق"

ما من شكٍ أنَّ مسارات التنمية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنفاق والاستثمار ومقدار النمو الاقتصادي، ولذلك نجد الحكومة تولي حرصًا لافتًا على استثمار كل ما من شأنه أن يدعم جهود التنمية؛ سواء في صورة مشروعات أو برامج أو خطط استراتيجية، كلها تتفق على الارتقاء بمستوى المعيشة عبر بوابة التنمية.

ومسيرةُ التنمية في عُمان منذ انطلاق النهضة الحديثة، تضع دائمًا الإنسان العُماني هدفًا لها، وهو نهج قويم يؤمن بأنَّ الاستثمار في الإنسان هو الغاية النبيلة التي من خلالها يتقدم الوطن ويزدهر، لكنَّ هذا الازدهار يجب أن يُصاحبه استثمار في الموارد والمقومات المتعددة. وعندما نتحدث عن الاستثمار، فإننا نُشير بوضوح إلى منظومة القوانين والتشريعات والمحفِّزات التي تجذب المستثمر، محليًا كان أو أجنبيًا، والمقومات التي تزخر بها عُمان في مختلف القطاعات، والمُمكِّنات التي يُمكن أن توفرها الجهات المعنية لمساعدة المستثمر على بدء مشروعه وتحقيق الأهداف المرسومة.

ولقد قطعنا في عُمان شوطًا كبيرًا فيما يتعلق بجهود جذب الاستثمارات، لكن ما تزال قضية التوفيق بين أهداف مختلف الجهات تواجه تحديات، إما بسبب ضعف التواصل المؤسسي أو تبايُن أدوات تحقيق هذه الأهداف. وأبلغ مثال على ذلك، المساعي الحثيثة لجذب الاستثمار وتعزيز نمو القطاع الخاص، ولا سيما قطاع ريادة الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ورغم أن هذه المساعي حققت الكثير من الإنجازات، إلّا أنها بحاجة إلى المزيد؛ فقد لاحظنا خلال الشهور الماضية ما يُمكن أن نعتبره تعارضًا في الأهداف، بين تهيئة البيئة الاقتصادية لمزيد من التطور والنمو، وبين إجراءات تُعيق هذا التطور، بحجة دعم ملفٍ آخر.

هنا نحن أمام تحدٍ حقيقي يكمن في صعوبة التوفيق بين الأهداف التي تضعها المؤسسات المختلفة، وكلنا أمل في أن يعمل مجلس التنسيق الاقتصادي على بلورة رؤية مشتركة تخدم جميع الأهداف؛ فما نحتاجه اليوم في المقام الأول مسار واضح وإجراءات حقيقية لمساعدة القطاع الخاص على النمو، وتحفيزه للاستفادة من المقومات التي تزخر بها بلادنا. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، نقترح عدة مسارات:

أولًا: إطلاق خطة استراتيجية يقوم على تنفيذها مجلس التنسيق الاقتصادي، وتستهدف إنشاء صندوق وطني لدعم نمو القطاع الخاص، من أجل مساعدة الشركات على الحصول على تمويلات مُيسَّرة بنسب فائدة لا تتجاوز 3%، ويُمكن وضع برنامج تنفيذي يمتد لـ12 سنة، على أن تُخصص التمويلات لقائمة محددة من القطاعات تتغير كل 3 سنوات، وأن تكون هذه التمويلات مشروطة بتوفير المزيد من الوظائف خلال فترة التمويل، بنسبة لا تقل عن 25% من القوى العاملة وقت الحصول على التمويل.

ثانيًا: تشجيع الزراعة واستصلاح الأراضي ومشروعات الثروة السمكية. فبعد أن أثبت مشروع "النجد" في ظفار، نجاحًا لافتًا وقدرة على إيجاد مصادر دخل من الزراعة، يتعين اتخاذ الإجراءات التي تضمن التوسع في الأنشطة الزراعية، مع وضع حلول مبتكرة لمشكلة ندرة المياه، خصوصًا وأن دولًا أخرى قد نجحت في مُعالجة هذا التحدي. إلى جانب ذلك، تمثل مشروعات الثروة السمكية- من صيد وتصنيع وبيع منتجات الأسماك وحتى أنشطة مطاعم الأسماك- فرصة واعدة أمام رواد الأعمال.

ثالثًا: فتح المزيد من آفاق الشراكة مع الدول الشقيقة والصديقة؛ فقد برهنت الدبلوماسية الاقتصادية قدرتها على جذب رؤوس الأموال، لكن ما نزال نرى بطئًا في عملية تنفيذ ما يجري الاتفاق عليه بين المسؤولين، ولذلك نأمل اتخاذ خطوات إجرائية تعجِّل من سرعة تنفيذ أي مشروع أو مذكرة تفاهم تُبرم مع أي دولة، بالتوازي مع فتح الباب أمام الشركات المتقدمة في كل قطاع للعمل في سلطنة عُمان، وتسهيل إجراءات تأسيس فروع إقليمية لها.

رابعًا: تعزيز جهود الترويج لقطاع الموانئ والاستفادة من المقومات الاستراتيجية واللوجستية الفريدة التي تتمتع بها سلطنة عُمان. فقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن عُمان مؤهلة وعلى درجة عالية من الجاهزية لتكون بوابة الخليج إلى العالم؛ فموانئ صحار والدقم وصلالة، أثبتت قدرتها على استقبال أكبر السفن البحرية، ونقل وتفريغ البضائع بمختلف أنواعها وأحجامها. لكن في الوقت نفسه لا بُد من مواصلة توسيع أنشطة هذه الموانئ، عبر الاستثمار في تعزيز بنيتها الأساسية من أرصفة وساحات تخزين وغيرها، بما يُلبي الطلب المتزايد. أضف إلى ذلك شبكة الطرق الحيوية والمبنية بأعلى معايير السلامة، تمثل شرايين فاعلة تربط بين الموانئ ومراكز التوزيع أو التصدير إلى دول الجوار.

وإذا ما وجدت هذه الأفكار والمقترحات طريقها للتنفيذ، فإنَّ الكثير من الأهداف والغايات ستتحقق، والعديد من الوظائف ستتوفر، وسينتعش الاقتصاد وتزدهر التنمية، لذلك كل ما نحتاج إليه هو الإرادة الفاعلة التي تحوِّل الأفكار والتطلعات إلى برامج تنفيذية وخطط ورؤى استراتيجية قابلة للتطبيق. والواقع يؤكد أنَّ ما تملكه سلطنة عُمان من مقومات لا تُضاهى في محيطها الإقليمي، قادرة على تحقيق طفرات نمو واعدة.

ويبقى القول.. إنَّ التنمية الاقتصادية المنشودة لن تتحقق إلّا بتكاتف الجهود، وتوازي المسارات وتوافقها واتفاقها على أهداف واضحة المعالم، لا نريد مسؤولين يغردون خارج السرب، ولا جهات حكومية تتخذ قرارات تتعارض مع خطط الدولة واستراتيجياتها، إننا نريد تناغمًا في العمل، وتوافقًا في الرؤى، واتفاقًا على النهج والغايات.. عندئذٍ سنكون قادرين على تنفيذ كل تطلعاتنا، بما يخدم مصلحة هذا الوطن، ويكتب الاستقرار والازدهار لنا ولأجيالنا القادمة من أبنائنا وبناتنا بُناة مستقبل عُمان.

الأكثر قراءة

z