مسقط الكبرى.. مسار المستقبل

 

 

 

إدريس بن علي السعيدي

idris.alsaidi@kg.om

تُمثل التنمية المستدامة في سلطنة عُمان خيارًا استراتيجيًا، وهدفًا وطنيًا تسعى من خلاله الدولة إلى بناء اقتصاد متين يُنوِّع مصادر الدخل، ويضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة. إن ما تريده سلطنة عُمان من هذه التنمية، وفق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، يتجاوز مفهوم التوسع العمراني وإنشاء المباني إلى بناء إنسان قادر على الإنتاج والابتكار، وتهيئة بيئة اقتصادية واجتماعية توفر جودة الحياة، وتعزز الاستثمار، وترفع كفاءة الخدمات، وتوجد فرص عمل مستدامة للمواطنين. ومن هذا المنطلق، برز مشروع مسقط الكبرى بوصفه أحد أهم المشاريع الوطنية التي تقود مسار المستقبل، وترسم ملامح مسقط خلال العقود القادمة.

وتتجلى مكانة مسقط كحاضرة لعُمان منذ القدم بحضورها، وبات ذلك أكثر حضورًا ووضوحًا منذ أن اختارتها الدولة البوسعيدية عاصمةً ومركزًا للحكم، مستفيدةً من موقعها الجغرافي الفريد الذي جمع بين الحصانة الطبيعية والانفتاح البحري. فهي محاطة بسلاسل جبال الحجر من الداخل، ومفتوحة على بحر عُمان من الخارج، الأمر الذي منحها أهمية استراتيجية كبيرة، وجعلها مركزًا للتجارة والإدارة والعلاقات الدولية. كما أسهم هذا الموقع في ترسيخ مكانتها عبر التاريخ، فكانت منطلقًا للدولة العُمانية الحديثة، ورمزًا لوحدتها واستقرارها، ومركزًا لصنع القرار والتنمية.

واليوم، تترجم هذه المكانة التاريخية إلى رؤية تنموية حديثة من خلال المخطط الهيكلي لمشروع مسقط الكبرى، الذي يمثل استراتيجية حضرية متكاملة تهدف إلى بناء عاصمة أكثر استدامة وتنافسية وجودة للحياة. ويمتد المشروع على شريط حضري يزيد على 80 كيلومترًا، من ولاية مطرح شرقًا إلى ولاية بركاء غربًا، وبواجهة بحرية تقارب 100 كيلومتر، مع مراعاة التنوع البيئي والجغرافي الذي تتميز به المنطقة، بما يحقق التوازن بين التوسع العمراني والمحافظة على الموارد الطبيعية. كما يستهدف المخطط استيعاب النمو السكاني المتوقع، حيث تضم مسقط الكبرى نحو 36% من إجمالي سكان سلطنة عُمان، مع تعزيز مساهمة محافظة مسقط في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي لتصل إلى 45%، بما يعكس دورها المحوري في قيادة الاقتصاد الوطني.

ولا يقتصر المشروع على التوسع العمراني، بل يركز على بناء مدينة أكثر إنتاجية وكفاءة، من خلال إنشاء 15 تكتلًا اقتصاديًا متخصصًا، تستهدف تنويع الأنشطة الاقتصادية واستقطاب الاستثمارات ورفع الإنتاجية، إلى جانب توفير أكثر من 313 ألف وحدة سكنية تستوعب النمو السكاني وتوفر بيئة سكنية متكاملة. كما يشمل تطوير منظومة نقل حديثة تعتمد على سكة حديد خفيفة بطول 55 كيلومترًا، تضم سبع محطات رئيسة، مع العمل على أن يكون 80% من السكان على مسافة مشي من وسائل النقل العام، الأمر الذي يسهم في تخفيف الازدحام، وتحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة التنقل داخل العاصمة.

وفي الجانب البيئي، يجسد المشروع مفهوم التنمية المستدامة بصورة عملية، من خلال التوسع في إنشاء الحدائق والمساحات المفتوحة، وزيادة نصيب الفرد منها بمقدار 9 أمتار مربعة بحلول عام 2040، إلى جانب حماية الأودية والسواحل والمناطق الطبيعية، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 90%، وصولًا إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050. ويعكس ذلك حرص سلطنة عُمان على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة، بما يضمن استدامة الموارد وجودة الحياة للأجيال القادمة.

وينعكس هذا المشروع بصورة مباشرة على المواطن؛ فهو لا يهدف إلى إنشاء الطرق والمباني فقط، بل إلى بناء اقتصاد يولد فرص عمل نوعية في القطاعات اللوجستية، والسياحية، والتقنية، والاقتصاد المعرفي، بما يواكب مخرجات التعليم والتدريب المهني، ويعزز جاهزية الشباب لسوق العمل. كما يسهم في رفع جودة الخدمات، وتحسين التنقل، وتوفير بيئة حضرية أكثر استدامة، الأمر الذي يجعل التنمية أكثر قربًا من حياة الإنسان وأكثر أثرًا في المجتمع، وسيكون بحق مسارًا للمستقبل يسير بالبلاد نحو رقيها وازدهارها، ويعزز اقتصادها، ويسهم في رفاهية أبنائها.

كما أن مسقط الكبرى ستكون إحدى المدن الذكية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الفضاء، بما يسهم في تطوير التخطيط العمراني، وإدارة الأراضي، والأراضي الزراعية، والمساحات الخضراء. فمن خلال الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية، يحلل الذكاء الاصطناعي البيانات الجغرافية، بما يساعد على إنشاء مدن صديقة للبيئة، وأكثر استدامة وتنظيمًا، ضمن نظام مترابط يدعم التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد، ليجعل من المشروع بوابة عُمان نحو المستقبل.

ويمثل مشروع مسقط الكبرى، إلى جانب مدينة السلطان هيثم ومدينة الثريا وغيرها من المشاريع التنموية، رافدًا مهمًا لتنشيط الاقتصاد، وتوفير فرص العمل، وجذب رؤوس الأموال، واستعادة مكانة مسقط كمدينة عالمية تجمع بين الحداثة وأصالة التراث العُماني. كما ستستفيد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من هذا الحراك، عبر انتعاش المكاتب العقارية، ومكاتب تخليص المعاملات، والوساطة العقارية، والمقاولات الفرعية، إلى جانب الأنشطة التجارية والخدمية، كالمقاهي والمطاعم ومحال التجزئة وغيرها.

وفي القطاعين التعليمي والتدريبي، طرحت مدينة السلطان هيثم مناقصة أول مجمع مدرسي حكومي متكامل في عُمان يضم خمس مدارس بطاقة استيعابية تبلغ (2350) طالبًا، مع ممشى أخضر خالٍ من المركبات ومرافق مجتمعية متكاملة. ويؤكد ذلك أن هذه المشاريع لا تقتصر على التطوير العمراني، بل تجسد أهداف رؤية عُمان 2040، وتحولها إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطن، بدلًا من أن تبقى مجرد خطط على الورق.

إن مسقط الكبرى ليست مجرد مشروع تخطيط عمراني، بل رؤية وطنية متكاملة تجسد طموحات سلطنة عُمان في بناء مدينة تنافس أفضل المدن الإقليمية والعالمية، وتحقق أهداف رؤية "عُمان 2040" من خلال اقتصاد متنوع، ومجتمع مزدهر، وبيئة مستدامة. وستبقى مسقط، كما كانت عبر التاريخ، حاضرة الوطن وقلبه النابض، تقود مسيرة التنمية بثقة، وتصنع مستقبلًا أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z