المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الشركات المساهمة: مسار استراتيجي لبناء شركات وطنية أكثر تنافسية

 

 

أحمد بن سالمين الكمشكي**

تُعد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، وقد أولتها سلطنة عُمان اهتمامًا كبيرًا من خلال منظومة متكاملة من التشريعات، والمبادرات، وبرامج الدعم، الأمر الذي أسهم في توسيع قاعدة ريادة الأعمال، وتعزيز مساهمة هذا القطاع في النشاط الاقتصادي.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود أكثر من 267 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة تسهم بما يقارب 21.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة مضافة تُقدر بنحو 9.2 مليار ريال عُماني.

وتعكس هذه المؤشرات نجاح السياسات الداعمة لهذا القطاع، إلا أنها تطرح تساؤلًا مهمًا: هل يكفي التوسع في عدد المؤسسات، أم أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على بناء شركات وطنية أكبر وأكثر قدرة على المنافسة والنمو؟

في الواقع، لا ينبغي النظر إلى المؤسسة الصغيرة والمتوسطة باعتبارها الغاية النهائية، بل باعتبارها نقطة انطلاق نحو كيان اقتصادي أكثر نضجًا واستدامة. فنجاح الاقتصادات لا يُقاس بعدد المؤسسات المسجلة، وإنما بعدد الشركات التي استطاعت أن تنمو، وتستقطب الاستثمارات، وتوفر فرص عمل نوعية، وتنافس في الأسواق المحلية، والإقليمية، والدولية. ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تشجيع المؤسسات الواعدة على الانتقال إلى الشركات المساهمة المقفلة باعتبارها المرحلة الطبيعية للنمو المؤسسي، قبل الوصول لاحقًا إلى مرحلة الإدراج كشركات مساهمة عامة، متى ما استوفت متطلبات الحوكمة، والجاهزية المالية، والإدارية.

ولا يمثل هذا التحول مجرد تغيير في الشكل القانوني، بل يُعد نقلة نوعية في أسلوب إدارة الأعمال، إذ يرسخ مبادئ الحوكمة، وينظم العلاقة بين المساهمين، ويوسع قاعدة الملكية، ويُسهل استقطاب المستثمرين، ويعزز فرص زيادة رأس المال، بما يمنح الشركات قدرة أكبر على التوسع والاستدامة. وعند بلوغ مستويات متقدمة من النمو، يصبح الانتقال إلى سوق رأس المال خطوة طبيعية تدعم استمرار التوسع، وتعزز القدرة التنافسية.

وفي المقابل، فإن نجاح هذا التحول يتطلب ترسيخ ثقافة التحالفات التجارية والاندماجات بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فما زالت العديد من المؤسسات تعمل بصورة منفردة، رغم تشابه أنشطتها، وهو ما يؤدي إلى تشتت الموارد، والخبرات، ورؤوس الأموال، ويحد من قدرتها على تنفيذ المشاريع الكبرى أو منافسة الشركات الإقليمية والدولية.

أما التحالفات والاندماجات، فإنها تتيح توحيد الإمكانات، وتقاسم الخبرات، ورفع الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وتعزيز القوة التفاوضية، واستقطاب استثمارات جديدة، بما يسهم في تأسيس شركات ذات قيمة سوقية أعلى، وقادرة على تحقيق نمو مستدام، بدلًا من استمرار عدد كبير من المؤسسات الصغيرة ذات الأثر الاقتصادي المحدود.

ولتحويل هذا التوجه إلى واقع عملي، أقترح إطلاق البرنامج الوطني للتحول المؤسسي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تتولى تنفيذه هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بالتعاون مع هيئة الخدمات المالية، وغرفة تجارة وصناعة عُمان، بهدف نشر ثقافة التحول المؤسسي، وتأهيل المؤسسات الواعدة، وتعزيز الحوكمة، وتشجيع التحالفات والاندماجات، وتهيئة الشركات للوصول إلى مراحل متقدمة من النمو.

ويمكن أن يبدأ البرنامج بحصر المؤسسات ذات الأنشطة المتقاربة، وتنظيم لقاءات تعريفية، وورش عمل متخصصة، وإجراء دراسات لفرص التحالف، أو الاندماج، أو تأسيس شركات مساهمة مقفلة، مع توفير الدعم القانوني، والمالي، والاستشاري، بما يضمن انتقالًا مؤسسيًا مدروسًا يعزز فرص النجاح والاستدامة.

ويتوافق هذا التوجه مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي تؤكد أهمية بناء اقتصاد متنوع ومستدام يقوده قطاع خاص قوي وتنافسي، قادر على الابتكار، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتعظيم مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.

إن المرحلة المقبلة لا تتطلب زيادة عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فحسب، بل تتطلب صناعة شركات وطنية قوية تمتلك مقومات الاستدامة والقدرة على المنافسة. فالانتقال من ثقافة تأسيس المؤسسات إلى ثقافة بناء الشركات يمثل خيارًا استراتيجيًا، وليس مجرد تطور قانوني، وهو أحد أهم المسارات لتحقيق اقتصاد أكثر تنافسية، وقطاع خاص أكثر تأثيرًا، وتنمية اقتصادية مستدامة تواكب تطلعات رؤية "عُمان 2040".

 

**عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان - فرع شمال الباطنة، وباحث دكتوراه في القانون التجاري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z