محمد بن أنور البلوشي**
هل أُعرِّف نفسي اليوم بأنني عاطل عن العمل؟ أم باحث عن وظيفة؟ أم مجرد شاب عُماني يقف بصبر في طابور الانتظار؟ أيُّ هذه الأوصاف يعبّر عني حقًا؟ أحيانًا أشعر أن هويتي لم تعد تُعرَّف بشهادتي الجامعية، ولا بأحلامي، ولا بأخلاقي، وإنما بسؤالٍ واحدٍ يتكرر في كل لقاء: "هل حصلت على وظيفة؟".
هل أطرق أبواب الوزراء، وأصحاب القرار، والمسؤولين، وأقول لهم بكل هدوء: "أنا لا أطلب شفقة، ولا أبحث عن واسطة، وإنما أطلب فرصةً أُثبت بها نفسي". أم أستمر في إرسال سيرتي الذاتية إلى عناوين إلكترونية لا يصلني منها سوى الصمت؟ هل أنتظر يومًا آخر؟ شهرًا آخر؟ سنةً أخرى؟ أم ثلاث سنوات أخرى قبل أن أسمع تلك الجملة التي أصبحت حلمًا: "مبروك... تم قبولك".
هذه الأسئلة لا تغادرني. تستيقظ معي قبل شروق الشمس، وتجلس معي على مائدة الإفطار، وترافقني طوال النهار، ثم تنام بجانبي في آخر الليل. أصبحت جزءًا من حياتي، كما أصبحت جزءًا من حياة آلاف الشباب العُمانيين الذين لا يزالون يؤمنون بأن الغد يحمل لهم مكانًا في هذا الوطن.
ومع ذلك، هناك وعدٌ أقطعه على نفسي كل صباح. أقف أمام المرآة، وأنظر إلى نفسي، وأقول: "ستحصل على وظيفة... إنها مجرد مسألة وقت". قد يظن البعض أن هذه مجرد كلمات لتخفيف الألم، لكنها بالنسبة لي ليست مجرد تفاؤل، بل وسيلة للبقاء. فالأمل هو الراتب الوحيد الذي أتقاضاه كل صباح، ولن أسمح لأحد أن يحرمني منه.
لقد تجاوزت السابعة والعشرين من عمري. يقول لي البعض: "لا تقلق، رزقك مكتوب". ويقول آخرون: "اصبر، لكل شيء موعد". بينما يسألني آخرون باستغراب: "إلى الآن لم تحصل على وظيفة؟" وكأن المشكلة فيَّ، لا في ضيق الفرص، ولا في ازدحام الطوابير، ولا في التحديات التي يعيشها سوق العمل.
ولكن ما يخفف عني أنني لست وحدي.
إن كنت تقرأ هذه الكلمات وأنت تنتظر اتصالًا لإجراء مقابلة، أو تفتح بريدك الإلكتروني عشر مرات في اليوم، أو تنظر إلى هاتفك كل بضع دقائق على أمل أن يرن، فأنت تقف في الطابور نفسه الذي أقف فيه. ربما لم نلتقِ يومًا، لكننا نتحدث اللغة نفسها؛ لغة الانتظار، ولغة الصبر، ولغة الأمل الذي يرفض أن يموت.
خلف كل شابٍ عاطل عن العمل قصةٌ لا يعرفها أحد. سنواتٌ طويلة من الدراسة، وسهر الليالي، وتضحيات الآباء والأمهات، ورسوم جامعية دُفعت، وأحلامٌ كبرت مع كل فصل دراسي، ثم يوم تخرج امتلأ بالتصفيق والابتسامات. لم يدخل أحد الجامعة ليكون عاطلًا عن العمل. كل واحدٍ منا كان يحلم أن يخدم وطنه، ويُعين أسرته، ويبني مستقبله، ويشارك في صناعة نهضة بلاده.
الاقتصاديون يتحدثون عن البطالة بالأرقام والنِّسب المئوية، ولكن الأرقام لا تبكي، ولا تشعر، ولا تنتظر. أما نحن، فنحن تلك الأرقام التي لها وجوه، وأسماء، وأمهات يدعون لنا كل ليلة، وآباء ينتظرون أن يروا أبناءهم يقفون على أقدامهم. كل نسبة بطالة في تقرير اقتصادي تخفي وراءها آلاف الأحلام المؤجلة.
لقد كان الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز يرى أن البطالة ليست مشكلة الفرد وحده، بل هي خسارة للاقتصاد كله. فحين يبقى الشباب المتعلم خارج سوق العمل، لا يخسر الشاب راتبه فقط، بل يخسر الوطن طاقةً، وفكرةً، وإبداعًا، وإنتاجيةً كان يمكن أن تصنع فرقًا حقيقيًا. إن الإنسان هو أغلى استثمار تملكه الأمم، وإهمال هذا الاستثمار يشبه امتلاك أرضٍ خصبة ثم تركها بلا زراعة.
لكن هناك خسارة أخرى لا تتحدث عنها التقارير الاقتصادية، وهي الخسارة النفسية. شيئًا فشيئًا، تبدأ الثقة بالنفس في التراجع، وتصبح اللقاءات الاجتماعية ثقيلة؛ لأن السؤال ذاته يتكرر في كل مناسبة: "ها... حصلت على وظيفة؟" ومع تكرار السؤال، يقل الكلام، وتبهت الابتسامة، ويبدأ الإنسان في مراجعة قيمته، مع أن قيمته لم تكن يومًا مرتبطة بعقد عمل.
ومع كل ذلك... لن أستسلم.
أنا أؤمن بعُمان، وأؤمن بقيادتها، وأؤمن بأن هذا الوطن لا يمكن أن ينهض إلا بأبنائه وبناته. وأؤمن أيضًا بأن رؤية "عُمان 2040" ليست مجرد وثيقة، بل وعدٌ بأن يكون الشباب شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرجين عليه. فالتنويع الاقتصادي، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، والصناعة، والسياحة، واللوجستيات، كلها ليست مشاريع على الورق، بل أبوابٌ ينبغي أن تُفتح أمام شباب يحملون الكفاءة والشغف والإخلاص.
وربما لا يكمن الحل في زيادة عدد الوظائف فقط، بل في بناء جسرٍ حقيقي بين التعليم وسوق العمل، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الأرباح، ودعم المبادرات الريادية، وضمان أن يجد كل شابٍ عُماني فرصةً عادلة ليُثبت ما يستطيع تقديمه. فالأمم لا تتقدم عندما يظل شبابها في طوابير الانتظار، وإنما عندما يصبحون جزءًا من حركة الاقتصاد، وعجلة الإنتاج، وصناعة القرار.
وغدًا... سأستيقظ من جديد. سأحدّث سيرتي الذاتية مرةً أخرى، وأرسل طلبًا جديدًا، وأتعلم مهارةً جديدة، وأواصل الإيمان بأن رزقي في الطريق إليّ. فالأمل ليس ضعفًا، والمثابرة ليست هزيمة، والانتظار إذا صاحبه العمل ليس ضياعًا، بل هو إيمانٌ بأن لكل غرسٍ موعدًا، ولكل فجرٍ شروقًا.
وإن كنت ما زلت تقف معي في هذا الطابور الطويل، فلنتعاهد على أمرٍ واحد: لن نجعل البطالة تُعرِّف قيمتنا، ولن نجعل الانتظار يسرق كرامتنا. فنحن أكبر من مسمى "باحث عن عمل". نحن أبناء هذا الوطن، نحمل علمًا، وكفاءة، ورسالة، وإرادة، وسيأتي اليوم الذي نلتقي فيه، لا في طابور الباحثين عن الوظائف، بل في مواقع العمل، ومكاتب الإنتاج، ومختبرات الابتكار، وصفوف التعليم، وكل مكان نبني فيه عُمان التي نحلم بها جميعًا.
**محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
