نبيل بن حيدر البلوشي
Nabeel.h.albalushi@gmail.com
خلال عملي في قطاع اللوجستيات، أحرص على متابعة الكثير من الأفكار التي يطرحها رواد الأعمال والشركات الناشئة. وأكثر ما يلفت انتباهي أن النقاش يبدأ غالبًا بالحديث عن التطبيق، أو التقنية، أو الذكاء الاصطناعي، أو آلية العمل، بينما يغيب سؤال أراه الأكثر أهمية: ما المشكلة التي يحاول هذا المشروع حلها؟ قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في رأيي هو السؤال الذي يحدد مستقبل أي شركة ناشئة، لأن الشركات لا تكبر بسبب جودة التطبيق أو جمال التصميم، بل لأنها استطاعت حل مشكلة حقيقية يعاني منها عدد كبير من العملاء.
في قطاع اللوجستيات، لا أعتقد أننا نعاني من نقص في الأفكار، بقدر ما نحتاج إلى مزيد من التركيز على المشكلات اليومية التي ما زالت تبحث عن حلول أفضل. لنأخذ مثالًا بسيطًا: شاحنة تنقل بضائع من مسقط إلى صلالة، تصل إلى وجهتها، وتفرغ حمولتها، ثم تبدأ رحلة العودة دون أي حمولة. في تلك الرحلة تُستهلك ساعات عمل السائق، ويُستهلك الوقود، وتتعرض الشاحنة لاستهلاك طبيعي، لكن دون أن تحقق أي إيراد. قد تبدو هذه رحلة واحدة، لكنها تتكرر يوميًا مع آلاف الشاحنات حول العالم. وهنا لا تكمن المشكلة في الشاحنة، وإنما في وجود فرصة تجارية لم يتم استغلالها بالشكل الأمثل. لو استطاعت شركة ناشئة أن تقلل من عدد هذه الرحلات الفارغة، فإنها لا تحقق قيمة للناقل فقط، بل ترفع كفاءة سلسلة الإمداد بأكملها.
ومثال آخر لا يقل أهمية: في كثير من الأحيان تستغرق عملية التنسيق بين الشاحن والناقل والمستلم وقتًا أطول مما ينبغي. اتصالات هاتفية، ورسائل متبادلة، ومتابعات مستمرة للتأكد من تفاصيل الشحنة أو موعد الوصول. هذه الإجراءات أصبحت جزءًا من العمل اليومي، ولذلك اعتدنا عليها، لكن اعتيادنا عليها لا يعني أنها الطريقة الأفضل. وهنا تظهر فرصة جديدة أمام الشركات الناشئة، ليس باختراع وسيلة نقل جديدة، وإنما بجعل عملية لوجستية قائمة أكثر سرعة وسهولة ودقة.
وهناك مثال ثالث قد لا ينتبه إليه الكثيرون. بعض شركات النقل تنجز أعمالها بكفاءة، لكنها تنتظر فترة ليست قصيرة حتى تحصل على مستحقاتها. بالنسبة للبعض، قد يبدو هذا مجرد إجراء مالي، لكنه بالنسبة لشركة ناشئة قد يمثل فرصة لبناء خدمة تساعد على تحسين التدفقات النقدية، وتمنح الشركات مرونة أكبر في إدارة أعمالها.
إذا تأملت هذه الأمثلة الثلاثة، ستجد أنها تختلف في تفاصيلها، لكنها تتفق في شيء واحد: كلها مشكلات تتكرر باستمرار، ويمكن قياس أثرها، ويشعر بها عدد كبير من العاملين في القطاع. وهنا أصل إلى قناعة أرى أنها تستحق أن يتوقف عندها كل رائد أعمال.
الشركات الناشئة الناجحة لا تبدأ بالسؤال: ما المنتج الذي سأبنيه؟ بل تبدأ بسؤال آخر: ما المشكلة التي يتمنى العميل أن تختفي من يومه؟ إذا عرفت الإجابة، يصبح التفكير في المنتج أسهل، ويصبح اختيار التقنية أو نموذج العمل أو حتى البحث عن التمويل أكثر وضوحًا، لأنك تعرف القيمة التي ستقدمها للسوق. أما إذا بدأت من المنتج نفسه، فقد تنجح في بناء تطبيق جميل أو منصة متطورة، لكنك قد تكتشف بعد سنوات أن المشكلة التي تعالجها لم تكن كبيرة بما يكفي لتبني عليها شركة ناشئة قادرة على النمو والتوسع.
من خلال متابعتي لقطاع اللوجستيات، أرى أن الفرص الحقيقية لا تزال كثيرة، ليس لأن القطاع يفتقر إلى الحلول، بل لأنه قطاع يتطور باستمرار، ومع كل تطور تظهر تحديات جديدة، وتبرز فرص جديدة للابتكار. ولهذا، إذا كنت تفكر اليوم في تأسيس شركة ناشئة في هذا القطاع، فلا تجعل أول سؤال هو: ما الفكرة التي سأقدمها؟ اسأل نفسك أولًا: ما المشكلة التي يدفع السوق ثمنها كل يوم، ولم يجد لها حلًّا حقيقيًّا حتى الآن.
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال هي البداية الحقيقية لأي شركة ناشئة تطمح إلى النمو والتوسع، لأن الأفكار الجيدة كثيرة، أما المشكلات الكبيرة التي تستحق أن تُحل، فهي التي تصنع الشركات الكبيرة.
