منى بنت حمد البلوشي
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. إنها حقيقة لا يُستثنى منها أحد، وسُنَّة إلهية تمضي على البشر جميعًا، فلا يبقى من الإنسان بعد انقضاء عمره إلا ما قدَّمه من عمل، وما خلَّفه من أثر، وما تركه في حياة الناس من خير أو شر.
يمضي الإنسان في رحلة الحياة حاملًا بين جنبيه أحلامًا وطموحات، يسعى ويجتهد، ويبني ويغرس، ثم يأتي يوم يرحل فيه عن الدنيا، لتبقى سيرته شاهدًا عليه، وأثره عنوانًا لحياته. فالأعمار محدودة، أما الأثر الصالح فهو الامتداد الحقيقي للإنسان بعد رحيله.
فالرحيل قدر محتوم، أما الأثر فهو الخيار الذي يصنعه الإنسان بيديه. وبين الميلاد والوفاة مساحة من الزمن تُكتب فيها السيرة، ويُصاغ فيها التاريخ الشخصي لكل إنسان، لا بعدد السنوات التي عاشها، بل بما قدَّمه من نفع، وما غرسه من قيم، وما تركه من بصمات في القلوب والعقول.
وقد لخَّص القرآن الكريم هذه الحقيقة الخالدة بقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. ففي هذه الآية الكريمة دلالة عميقة على أن حياة الإنسان لا تنتهي بانتهاء أجله، وإنما تستمر آثار أعماله، خيرًا كانت أم شرًّا، شاهدةً له أو عليه.
وجاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له». وهذا الحديث يؤكد أن الأثر الصالح هو الامتداد الحقيقي لعمر الإنسان، وأن البقاء ليس للأجساد، وإنما للأعمال التي تنفع الناس وتُرضي الله عز وجل.
إن صفحات التاريخ لا تحفظ أسماء الجميع، لكنها تُخلِّد أولئك الذين جعلوا من حياتهم رسالة، ومن عطائهم منهجًا. فكم من معلمٍ غاب جسده، وما زالت كلماته تُنير العقول، وكم من طبيبٍ رحل، وما زالت إنسانيته تُذكر بكل امتنان، وكم من قائدٍ أو مصلحٍ أو متطوعٍ ترك أثرًا تجاوز حدود الزمن، فاستحق أن يبقى حاضرًا في وجدان الناس.
ولعل أجمل ما يُقال في هذا المعنى ما نُسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله: "ما نفع الله به العبد بعد موته أفضل من علمٍ نشره". كما قال الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي: "ليس الإنسان بما يظهر، وإنما بما يترك من أثر". وهي معانٍ تؤكد أن قيمة الإنسان تُقاس بما يضيفه إلى الحياة، لا بما يأخذه منها.
وفي عصر تتسارع فيه الإنجازات، وتتبدل فيه الأحوال، يظل السؤال الأهم، والذي يُراودني دائمًا: ماذا سيبقى بعد أن نرحل؟ هل ستذكرنا الألسن بحسن الخلق، أم بالإحسان إلى الناس، أم بخدمة الوطن، أم بعلمٍ نافع، أم بمواقف نبيلة صنعت الفرق في حياة الآخرين؟ فهذه هي الموازين التي لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بمرور الزمن.
إن بناء الأثر لا يحتاج دائمًا إلى أعمال عظيمة في ظاهرها، بل يبدأ من إخلاص النيَّة، وإتقان العمل، والوفاء بالمسؤولية، واحترام الإنسان، وبذل المعروف، ونشر الكلمة الطيبة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. فلا يضيع عند الله عمل، ولا يغيب أثر، وإن بدا صغيرًا في أعين الناس.
لقد علَّمنا ديننا أن أعظم الاستثمارات هو الاستثمار في الإنسان، وفي العلم، وفي الخير الممتد؛ لأن هذه الأعمال لا تتوقف بوفاة أصحابها، بل تبقى تنمو في ميزان حسناتهم، وتستمر في صناعة الحياة للأجيال القادمة.
لذلك فإن أعمار البشر قصيرة، أما آثارهم فقد تمتد لعقود، وربما لقرون. ومن الحكمة أن يجعل الإنسان من أيامه مشروعًا للعطاء، ومن حياته رسالة للبناء، ومن أخلاقه جسرًا يعبر به إلى قلوب الناس. فالراحلون كثيرون، لكن القليل منهم من يبقى حاضرًا في الذاكرة، حيًّا في الدعوات، خالدًا في الأثر.
راحلون جميعًا، ويبقى الأثر، فهو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الإنسان بعد صمته الأخير، والتاريخ الصادق الذي لا يكتبه إلا العمل الصالح، والسمعة الطيبة، والعمل الذي ينفع الناس، وهناك أشياء عظيمة قد تترك أثرًا عظيمًا في قلوب البشر.
