ما بعد العقود والتعمين: حوكمة المحتوى المحلي من قياس الإنفاق إلى صناعة الأثر التنموي

 

 

نعيمة الغريبي

في السنوات الأخيرة، أصبح المحتوى المحلي أحد الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية من الاستثمارات والمشروعات الكبرى، من خلال زيادة مساهمة الموارد الوطنية في الأنشطة الاقتصادية وتحويل الإنفاق إلى قيمة مضافة مستدامة. غير أن نجاح المحتوى المحلي لا يرتبط بحجم المبادرات أو المخصصات المالية فحسب، بل يعتمد بصورة أساسية على وجود منظومة حوكمة فعالة قادرة على توجيه هذه الجهود نحو نتائج تنموية حقيقية وقابلة للقياس.

وفي سلطنة عُمان، حيث تتسارع الجهود نحو تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" وتعزيز التنويع الاقتصادي، تبرز حوكمة المحتوى المحلي كأحد الملفات الاستراتيجية التي تستحق نقاشًا أعمق من مجرد الحديث عن نسب التعمين أو حجم العقود الممنوحة للمؤسسات المحلية. فالقضية الجوهرية لم تعد تتمثل في: «كم أنفقنا محليًّا؟» بل في: «ما الأثر الذي تحقق نتيجة هذا الإنفاق؟».

لقد نجحت السلطنة خلال السنوات الماضية في ترسيخ مفهوم القيمة المحلية المضافة في عدد من القطاعات الحيوية، وخصوصًا في قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين، وأسهمت هذه الجهود في توفير فرص اقتصادية للمؤسسات الوطنية وتعزيز مشاركة الكفاءات العُمانية في المشروعات الكبرى. إلا أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مرحلة التطبيق القطاعي إلى مرحلة الحوكمة الوطنية الشاملة، بحيث تصبح منظومة المحتوى المحلي جزءًا متكاملًا من منظومة التخطيط الاقتصادي للدولة.

وتكمن إحدى أبرز الفجوات الحالية في تعدد الجهات المعنية بالمحتوى المحلي وتباين منهجيات القياس والتقييم بينها. فكل جهة قد تمتلك مؤشرات خاصة بها، وأهدافًا مختلفة، وآليات مستقلة للمتابعة، الأمر الذي يؤدي إلى تشتت الجهود وصعوبة تكوين صورة وطنية شاملة حول الأثر الحقيقي للمحتوى المحلي على الاقتصاد الوطني. وفي ظل غياب إطار حوكمة موحد، يصبح من الصعب الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بحجم القيمة المضافة المتحققة، ومستوى الاستدامة الاقتصادية للنتائج، ومدى مساهمة هذه الجهود في تحقيق أهداف التنويع الاقتصادي.

كما تتمثل فجوة أخرى في التركيز على المؤشرات التشغيلية قصيرة الأجل، مقابل محدودية الاهتمام بالمؤشرات التنموية طويلة الأجل. ففي كثير من الأحيان يتم قياس النجاح بعدد الوظائف المستحدثة، أو قيمة العقود المحلية، أو نسبة الإنفاق المحلي، بينما لا يتم قياس الأثر الممتد لهذه المبادرات على نمو الشركات الوطنية، أو قدرتها على التوسع إقليميًّا، أو مساهمتها في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة، أو دورها في بناء قطاعات اقتصادية جديدة. وبذلك يتحول المحتوى المحلي إلى هدف تشغيلي بدلًا من أن يكون أداة استراتيجية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة.

ومن التحديات التي تستحق التوقف عندها كذلك محدودية التكامل بين البيانات الاقتصادية المتعلقة بالمحتوى المحلي. فالمعلومات موجودة في العديد من الجهات والمؤسسات، لكنها غالبًا ما تكون موزعة وغير مترابطة. وهذا الواقع يحد من قدرة صانع القرار على تحليل الأثر الكلي للمحتوى المحلي واتخاذ القرارات المبنية على البيانات. وفي عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد مقبولًا أن تُدار منظومات بهذا الحجم والأهمية دون منصات وطنية موحدة للبيانات والتحليل وقياس الأداء.

إن جوهر حوكمة المحتوى المحلي لا يتمثل في الرقابة فقط، بل في القدرة على توجيه الموارد نحو تحقيق أعلى قيمة ممكنة للاقتصاد الوطني. ولذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتبني نموذج حوكمة وطني متكامل يرتكز على أربعة محاور رئيسة: التشريع، والمؤسسية، والرقمنة، والقياس.

فعلى المستوى التشريعي، تبرز الحاجة إلى إطار وطني موحد يحدد المفاهيم، والأدوار، والمسؤوليات، ومؤشرات الأداء، بما يضمن توحيد التوجهات بين مختلف القطاعات. أما على المستوى المؤسسي، فإن إنشاء جهة تنسيقية أو مجلس وطني للمحتوى المحلي يمكن أن يسهم في توحيد الرؤية وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية.

وعلى المستوى الرقمي، ينبغي تطوير منصة وطنية ذكية تجمع بيانات المحتوى المحلي من مختلف الجهات، وتتيح قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي بشكل لحظي، وربط مؤشرات الأداء بمستهدفات رؤية "عُمان 2040". فالحوكمة الحديثة لا تقوم على التقارير الدورية فقط، بل تعتمد على البيانات الحية التي تدعم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

أما على مستوى القياس، فإن التحول الحقيقي يتطلب الانتقال من قياس المدخلات إلى قياس المخرجات والأثر. فبدلًا من التركيز على قيمة العقود أو أعداد المستفيدين فقط، يجب قياس أثر المحتوى المحلي على الناتج المحلي الإجمالي، والإنتاجية، والابتكار، والصادرات، ونمو المؤسسات الوطنية، وتوطين التقنيات والمعارف المتقدمة.

لكن التحدي الأكبر لا يكمن في بناء الأنظمة أو إصدار اللوائح، بل في تبني فلسفة جديدة للمحتوى المحلي؛ فلسفة تنظر إليه باعتباره مشروعًا وطنيًّا لصناعة المستقبل، وليس مجرد أداة لتعظيم الإنفاق المحلي. فالدول التي نجحت في هذا المجال لم تكتفِ بزيادة نسبة المشتريات المحلية، بل استطاعت بناء شركات وطنية قادرة على المنافسة عالميًّا، وتطوير صناعات جديدة، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

ومن هنا تأتي الرسالة الأعمق لحوكمة المحتوى المحلي في سلطنة عُمان: أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما يبقى داخل الاقتصاد اليوم، بل بما يصبح قادرًا على النمو والتوسع غدًا. فالمحتوى المحلي ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد وطني أكثر مرونة وإنتاجية واستقلالية. وكلما نجحت منظومة الحوكمة في تحويل الإنفاق إلى معرفة، والمعرفة إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنافسية، اقتربت السلطنة من تحقيق رؤيتها الطموحة نحو اقتصاد مستدام يقوده الإنسان العُماني، وتدعمه مؤسسات وطنية قادرة على صناعة القيمة داخل الوطن وخارجه.

إن المستقبل لن يكون للدول التي تنفق أكثر، بل للدول التي تحكم مواردها بصورة أفضل. ومن هذا المنطلق، فإن حوكمة المحتوى المحلي ليست خيارًا إداريًّا، وإنما ضرورة تنموية واستثمار استراتيجي في مستقبل عُمان واقتصادها وأجيالها القادمة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z