حين تنطفئ الأضواء... يبقى الأثر

يارا الحايك**

من أصعب الحقائق التي يواجهها الإنسان في حياته أن يدرك أن كثيرًا مما يظنه ثابتًا ودائمًا ليس سوى مرحلة عابرة في رحلة الزمن. فالمنصب الذي يمنحه الهيبة، واللقب الذي يفتح له الأبواب، والسلطة التي تجعل الآخرين ينظرون إليه بإعجاب، كلها أمور مرتبطة بظروف معينة قد تبدأ وتنتهي، بينما الحقيقة الأعمق أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحيط به من مظاهر، بل بما يسكن داخله من مبادئ، وما يتركه خلفه من أثر.

فالإنسان في لحظة الصعود قد يخلط بين ذاته والدور الذي يؤديه، فيظن أن المكانة التي وصل إليها أصبحت جزءًا لا ينفصل عن شخصيته، وأن الاحترام الذي يحظى به بسبب موقعه هو احترام لشخصه بالضرورة. لكنه يكتشف مع مرور الوقت أن المناصب، مهما علت، لا تمنح الإنسان قيمة دائمة، بل تمنحه فرصة مؤقتة ليكشف من خلالها عن حقيقة شخصيته. فهناك من تجعلهم السلطة أكثر تواضعًا وإحساسًا بالمسؤولية، وهناك من تجعلهم أسرى لوهم العظمة، حتى يصبحوا غير قادرين على رؤية أنفسهم بعيدًا عن الكرسي الذي جلسوا عليه.

وهنا تظهر الحكمة الكبرى في فهم طبيعة الحياة؛ فالإنسان لا يملك المراحل التي يمر بها، لكنه يملك الطريقة التي يعيش بها تلك المراحل. فالمنصب ليس هو القيمة، وإنما طريقة استخدام المنصب هي التي تكشف قيمة صاحبه. والمال ليس هو معيار الإنسان، وإنما موقفه من المال هو الذي يحدد أخلاقه. والشهرة ليست دليلًا على العظمة، وإنما ما يقدمه الإنسان للآخرين هو ما يمنحه مكانته الحقيقية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يجعل الأشياء الخارجية تعريفًا كاملًا لذاته؛ لأن كل ما يأتي من الخارج قابل للتغير. فالوظيفة تنتهي، والسلطة تنتقل، والشهرة تخفت، والظروف تتبدل، وعندما تسقط هذه الطبقات الخارجية يجد الإنسان نفسه أمام سؤال جوهري: من أنا بعيدًا عن كل ما كنت أملكه أو أمثله؟ عندها فقط يظهر الفرق بين من بنى ذاته على أساس راسخ، ومن بنى صورته على أشياء مؤقتة.

إن الوعي بهذه الحقيقة لا يعني أن يتخلى الإنسان عن الطموح أو يقلل من قيمة الإنجاز، بل يعني أن يعرف حدود الأشياء ومكانتها. فالنجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى موقع يجعل الآخرين ينظرون إليك بإعجاب، بل في أن تصبح إنسانًا يستحق التقدير حتى بعد أن يغيب ذلك الموقع. فالمنصب قد يمنحك حضورًا في المؤسسات، لكن الأخلاق تمنحك حضورًا في القلوب، والفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن تكون معروفًا في فترة معينة، وأن تكون مؤثرًا عبر الزمن.

ومن هنا تأتي أهمية التربية على أن الإنسان أكبر من وظيفته وأوسع من لقبه. فالطفل الذي يتعلم أن قيمة الإنسان في أخلاقه وعلمه وعطائه، ينشأ أكثر قدرة على النجاح دون غرور، وعلى التراجع دون انكسار، لأنه يدرك أن مراحل الحياة تتغير، لكن جوهر الإنسان يبقى. أما من يتربى على أن القيمة مرتبطة بالمظاهر والمكانة فقط، فقد يجد نفسه ضائعًا عندما تتغير الظروف أو يفقد الدور الذي كان يمنحه الشعور بالأهمية.

وفي التأمل الفلسفي لطبيعة الوجود، نجد أن الحياة تشبه رحلة تتغير فيها الأدوار باستمرار؛ فما يكون مهمًا في مرحلة قد يصبح عابرًا في مرحلة أخرى. وكما أن الأشياء تفقد قيمتها عندما تنتهي الغاية التي صُنعت من أجلها، فإن المناصب تفقد تأثيرها بانتهاء وقتها، ويبقى السؤال الأهم: ماذا فعل الإنسان بالفرصة التي مُنحت له؟ هل جعلها وسيلة لخدمة الآخرين، أم وسيلة لتعظيم نفسه؟

ولهذا فإن الإنسان، مهما بلغ من مكانة، يشبه لاعبًا في رقعة الشطرنج؛ فلكل قطعة دورها وقيمتها أثناء استمرار اللعبة، لكن عند انتهائها تعود القطع جميعها إلى الصندوق نفسه. وكذلك البشر، فاختلاف المواقع والأدوار لا يلغي وحدة المصير الإنساني. فالنهاية تجمع الجميع، ولا يبقى من الفوارق التي صنعتها الدنيا إلا ما كان له معنى حقيقي، فلا تقع ضحية "تناقص المنفعة الحدية"، كما يقال في الاقتصاد.

قد يحصل الإنسان خلال حياته على شهادات كثيرة؛ شهادة علم، وشهادة نجاح، وشهادة تقدير، وشهادات اعتراف بإنجازاته، لكنها جميعًا مرتبطة بمراحل محددة. أما الشهادة الأخيرة التي يحصل عليها كل إنسان فهي شهادة الوفاة، وهي ليست شهادة على ما امتلكه الإنسان، بل إعلان عن نهاية وجوده المادي. ومع ذلك، فإن هذه الشهادة لا تستطيع أن تلخص حياة إنسان؛ لأن حياة الإنسان الحقيقية لا تُكتب في الأوراق، بل تُكتب في ذاكرة من عرفوه، وفي الأثر الذي تركه بينهم.

وفي النهاية، فإن الإنسان لا يُخلّد بما حمل من ألقاب، بل بما حمله من قيم، ولا يُذكر بما كان يملكه، بل بما كان يمنحه. فالأضواء قد تنطفئ، والمناصب قد تنتهي، والأسماء قد تغيب عن المشهد، لكن العمل الصالح، والكلمة الطيبة، والخلق الكريم، تبقى نورًا ممتدًا بعد رحيل صاحبها. فحين تنطفئ كل الأضواء الخارجية، يظهر النور الحقيقي الذي كان يسكن الإنسان منذ البداية.

**كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z