أ.د. حيدر أحمد اللواتي**
يتحفنا كريستيان سميث، أستاذ ونائب رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة نورث كارولينا، بكتاب جريء وممتع بعنوان "Atheist Overreach: What Atheism Can't Deliver"، ويمكن ترجمته إلى: "المبالغة في الادعاءات الإلحادية: ما لا يستطيع الإلحاد تقديمه".
ومن الأمور التي يطرحها الكاتب عجز الإلحاد عن تقديم مبرر عقلاني للحقوق الإنسانية العالمية. ففي العصر الذي نعيشه اليوم، تتشابك الأمم وتتقارب الشعوب فيما يُعرف بالعولمة، وتبرز قضية جوهرية تتعلق بأساس القيم الأخلاقية التي تحكم علاقاتنا، خصوصًا تلك المتعلقة بالخير الشامل وحقوق الإنسان.
إن مفهوم الخير الشامل والحقوق الإنسانية العالمية من المطالب العالية التي يصعب تلبيتها، فهذا المفهوم يطالب برعاية الحقوق والكرامة لكل إنسان على وجه البسيطة، حتى الغرباء الذين قد لا نتعامل معهم مباشرة، وليست لنا مصلحة معهم.
والسؤال المركزي الذي يحاول الكاتب تسليط الضوء عليه هو: إذا اعتبرنا أن الكون الذي نعيش فيه طبيعي فقط، كما يعتقد الكثير من الملحدين والعديد من علماء الطبيعة، فهل يتوفر لنا مبرر عقلاني كافٍ للاعتقاد بأن الخير الشامل وحقوق الإنسان حقائق أخلاقية ملزمة وراسخة؟
ينبه الكاتب، وقبل الإجابة عن السؤال، إلى أننا لا نتحدث عن إمكانية التزام الملحد والمادي، الذي ينفي وجود أبعاد غيبية في هذا الكون، بمبادئ الخير الشامل وحقوق الإنسان والعمل بناءً عليها، فالكثير من هؤلاء قد يلتزمون بهذه القيم ويعملون على تعزيزها، وهذا لا جدال فيه، لكن الالتزام العملي لا يعني بالضرورة وجود مبرر فلسفي أو عقلي عميق لهذه القيم في المنظومة الفكرية لهؤلاء.
إن سؤالنا هنا يتمحور حول وجود مبرر عقلي قوي لهذه القيم ضمن الرؤية التي تحصر الكون في إطار مادي صرف، فهنا يكمن التحدي الفلسفي الحقيقي، إذ إن الكون الطبيعي، كما تصفه علوم الطبيعة، لا يحتوي على قوانين أخلاقية موضوعية أو غايات أخلاقية عابرة للطبيعة، فهو نظام من الجزيئات والقوى التي تعمل بلا هدف أو معنى أخلاقي.
بعض هؤلاء يقر ويصرح بأنه، في الواقع، لا توجد حقائق أو قواعد أو قوانين أخلاقية في الطبيعة أو في الواقع الموضوعي، وأن كل المعتقدات الأخلاقية التي نملكها هي اختراعات بشرية بحتة، وكما يقولون: لا يوجد قانون أخلاقي يقرر أن القتل غير أخلاقي!
نظرية التطور الداروينية، التي اعتمدها الماديون أحيانًا كأساس أخلاقي، تواجه مشكلات واضحة، لا كنظرية علمية، ولكن كأساس يمكن استخدامه لتفسير القيم الأخلاقية، إذ يرى هؤلاء أنه، ومع تطور الإنسان، واجه أسلافنا من صيادي وجامعي الطعام صراعات اجتماعية حول توزيع المهام والموارد بشكل غير عادل، وعندما فشل بعض الأنانيين منهم في التصرف بإيثار، ولم يشاركوا الآخرين ما حصلوا عليه من طعام وشراب، غدت الحياة الاجتماعية في مثل هذه الجماعات الصغيرة هشة، لذا كان البقاء يتطلب حل هذه الصراعات الاجتماعية بطرق تفيد الجميع، ومن هنا ظهرت القيم الأخلاقية كضرورة لبقاء هذه المجتمعات، فظهر مفهوم الكرم ومفهوم الإيثار والاهتمام بالآخرين ومراعاتهم، ومع استمرار هذه القيم والمفاهيم، بدأ الناس يشعرون بالذنب عند انتهاكها، ومع تطور الحضارات، تم اختراع الآلهة والدين لتبرير هذه القيم وإنفاذها، ولذا فلا أصالة لهذه القيم الأخلاقية، وإنما هي عقد اجتماعي صرف.
يعلق الكاتب على هذه النظرية، فيقول إن هذه النظرية ربما يمكنها أن تفسر لنا سبب اندفاعنا لرعاية أسرنا ومجتمعاتنا القريبة منا، لكنها لا تطرح لنا سببًا وجيهًا للقيام بذلك، لنعامل جميع البشر بهذه الطريقة. والسبب واضح، فعلينا أن نستثمر طاقة أكبر في العلاقات التي لديها احتمال أكبر بالفائدة لنا، ولذا فالمعاملة المتساوية للجميع ليست أمرًا تدعو إليه هذه النظرية من البعد الأخلاقي، بل على العكس، هي تفسر لنا وتدعونا إلى أن نتعامل مع الغرباء بشكل مختلف، ولذا فهي لا تمنع سلوكًا لا أخلاقيًا، مثل التمييز والإبادة الاجتماعية، بل ربما تدعو إليهما إذا كانا يجلبان مصالح للإنسان أو للمجتمع الذي ينتمي إليه الفرد، فهي لا تبرر الالتزام الأخلاقي الشامل، إذ إن التعاون غالبًا ما يكون مشروطًا وغير مطلق، في حين أن القيم الأخلاقية التي يدعو إليها العالم اليوم، كحقوق الإنسان، يجب أن تكون شاملة وملزمة للجميع.
إن العقل البشري، رغم قدراته الفريدة، لا يضمن تبني هذه القيم، بل على العكس، يمكن استخدامه لتبرير أيديولوجيات تعارض الخير الشامل، مثل النزاعات القبلية أو القومية أو حتى الدينية المتطرفة، وبذلك يصبح بناء أخلاق عالمية أمرًا يتطلب أكثر من مجرد استدلالات طبيعية أو عقلانية بحتة، ولذا فإن هذه القيم العالمية، في إطار هذا الطرح المادي، تظل تفضيلات اجتماعية أو شخصية، وليست حقائق ملزمة لكل العقول أو لكل البشر.
ومن هنا يرى كريستيان سميث أن استمرار هذه القيم في التماسك والحفاظ عليها، إذا كانت غير مبررة عقليًا ضمن الرؤية المادية والإلحادية، فإن انتشار الرؤية المادية الإلحادية قد يؤدي تدريجيًا إلى تآكل هذه القيم، إذ تصبح مجرد اتفاقيات قابلة للتغيير أو الانحلال، خصوصًا عندما تتصادم مع مصالح شخصية أو مصالح لفئة اجتماعية معينة.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الأديان في تأسيس هذه القيم الإنسانية، فلقد قدمت هذه الديانات مفاهيم العدالة الاجتماعية، والرحمة، والمساواة، ورفض الظلم، وأدخلت عليها تعاليم المحبة والرفق والعطاء والتضحية بالنفس، رغم إخفاقات أتباعها في بعض الأحيان، إلا أنها قدمت رؤية فلسفية متماسكة يمكن اتخاذها قاعدة للانطلاق، ولذا يرى الكاتب أن هذه القيم الدينية هي الأساس الثقافي الذي ساهم في بناء منظومة القيم الإنسانية الحديثة، التي حاولت الحداثة نقلها إلى أسس غير دينية، وهذا ربما يفسر لماذا يؤمن الكثيرون بها، حتى وإن لم يكونوا متدينين.
لكن كريستيان سميث يؤكد، من جهة أخرى، أنه من المهم التأكيد على أن الدين، في بعض المجتمعات، يتم تأطيره ضمن قوالب معينة، لتنحصر فوائده على أتباعه، أو على فئة معينة من البشر، وهم الفئة التي تؤمن به فقط، أما الآخرون فلا مكان لهم في هذا الكون، ولا يستحقون العيش على هذه البسيطة. مثل هذه الرؤية للدين تواجه تحديات مماثلة تمامًا للتحديات التي تواجهها الرؤية المادية، إذ إنها لا توفر تبريرًا عقليًا لمفهوم الخير الشامل وحقوق الإنسان.
إننا نرى أن العولمة زادت من إلحاح الحاجة إلى الخير الشامل وحقوق الإنسان العامة، وأبرزت ضرورة وجود أخلاق عالمية، ويبدو أن أية محاولة لإيجاد مبرر لوجود هذه المنظومات القيمية خارج أسوار الدين تحدٍّ صعب لا يمكن تجاوزه، وفي بعض الأحيان حتى داخل أسوار الدين، لذا فلا عجب أن وجدنا عالمًا تسوده المصالح والأنانية والابتزاز، فالأخلاق لدى الكثيرين غدت حاجة اجتماعية أو قيمًا دينية لا تتخطى حدود المؤمنين بها، ولم تعد القيم الأخلاقية مبادئ وحقوقًا عامة لكل البشر.
**كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
