منظومة التاريخ

 

 

 

موزة المعمرية

في صباحها الجميل والمُنغمس بكل روائح العطور والبخور، تهندمت تلك الجميلة ثم ارتدت عباءتها السوداء وحملت حقيبة يدها ثم خرجت من مملكتها المُتواضعة جدًا تبغي طريقًا يقودها لعُمق التاريخ وقد كان طريقًا طويلًا بحُكم بُعد المسافةِ بين مملكتها وذاك المكان.

هناك فقط توقفت السيارة ليترجل منها قلبها سابقًا قدميها لمكانها الذي تبغي، وقفت لبُرهة ترفع بصرها عاليًا لترى وتقرأ "متحف عُمان عبر الزمان" هذه هي العبارة البسيطة المكتوبة على جدار المكان ولكنها تحمل عُمقًا تاريخيًا ترغب هي في سبر غِوَار ذاك العمق وذاك التاريخ الجميل، دخلت المتحف تُطقطِق بكعب حذائها المتوسط الارتفاع، هناك من كان ينظر إليها وهناك من لم يكن يفعل، بينما كانت عيناها تنظران بشغف لكل ما كان عبر زمان عُمان ويكون هُنا في مكان.

وَقفَت قليلًا عند صورة رجل كبير في السن وأخذت تقرأ ما هو مكتوب عند صورته، أخذها فكرها النابض بكل ما هو حي أو يُحيي الروح لما هو غير حَي لتلك الرؤية التي رأتها في ليلتها، تذكرت أنها رأت ذات الشيخ الكبير في السن وهو يجلس في مقعد خشبي يُقلِّب صفحات كتاب كبير وحوله إنارة فنَار، المكان مُظلم ولا نور فيه سوى نور ذاك الفنَار حوله.

توقف لبُرهة ونظر إليها ثم أشار لها بيده اليمنى مع ابتسامة على شفتيه تنم عن روح طيبة تملأ المكان وترغب ببوح شيء ما لها، اقتربت الجميلة منه وفي داخلها مشاعر ممزوجة بالفضول لمعرفة ما يرغب أن يبوح به لها وببعض الخوف فهي تظن أنه قد لا يكون من جنس الإنس وإنما من الجن، أشار لها بيده للكتاب فأشاحت ببصرها عنه لما أشار لها به وأخذت تقرأ، الساعة تطوي زمنها مع عناقها للوقت بينما هي مُنغمسة بكل ذاك العشق الذي كان يُكهْرب لها كل شرايين رأسها كالماء يتسلل عبر الصخور كأسلاك، عابرًا إياه مُكملًا طريقه بلا توقف نحو ينبوع الحياة الدائم، "الله أكبر"، هنا استيقظت عيناها على سماع أذنيها لأجمل صوت يُناديها لعظمة الخالق ولقائه الجميل.

عادت من كل ذاك الحلم لتبتسم في فرح لزيارة الشيخ "محمد بن شامس البطاشي" ذاته لها في رؤية ليُخبرها بأن المميزين لا يزورون إلا من كان في روحهم جزء منهم، أخذت تقرأ ما هو مكتوب عند صورته.. "هو صاحب أطول منظومة شعرية في تاريخ العرب والإسلام، تتكون من 124 ألف بيت شعري وقد وسمها بـ"سلاسل الذهب في الأصول والفروع والأدب"، ولد في 23 من رمضان 1347هـ/1929م، في دماء والطائيين، تتلمذ على أيدي مشايخ وعلماء عدة من أمثال الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، الشيخ عدي بن أنيس بن شامس البطاشي، الشيخ محمد بن أنيس بن شامس البطاشي".

شغل العديد من المناصب منها القضاء عام 1960، فكان قاضيًا على جعلان بني بو حسن وضنك وإبراء، قريات، السيب، دماء والطائيين، عُيِّن عام 1981 في وزارة التراث القومي والثقافة لمدة ستة أعوام لتصحيح المخطوطات ومراجعتها، كما عمل عام 1991 في ديوان البلاط السلطاني في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي مصححًا وباحثًا حيث قام بالمشاركة في المؤتمرات.

ومن مؤلفاته الشهيرة: إرسال السائل إلى معرفة الأوائل، تاريخ المهلب القائد وآل المهلب، دما ومآثرها التاريخية، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد، فتح الرحمن ومورد الظمآن في جوايات الشيخ سلطان.

كل هذا قدمه قبل أن يحين موعد مغادرته أرض عُمان إلى ربِّ عُمان وشعبها في 28 من جمادى الأولى عام 1420هـ/ الموافق 9 من سبتمبر عام 1999م، غادرنا تاركًا وراءه إرثا تاريخيا، أدبيا، علميا بحتا نغوص في أعماقه لنرتشف من قِيعانه ما يُثري الفكر والوجدان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z