مدرين المكتومية
أصبح اجتماع الثلاثاء في مجلس الوزراء الموقر، حدثاً يترقبه مختلف أبناء مجتمعنا العُماني، خاصةً إذا ما تواترت الأنباء بأنَّ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- سوف يترأس الاجتماع، لأننا نعلم يقينًا أن ثمة قرارات ستصدر، وأنَّ إجراءات جديدة ستُحرك المشهد المحلي، اقتصاديًا واجتماعيًا.
وبحكم عملي الصحفي، أحرص دومًا على رصد وتحليل البيانات الصادرة عن اجتماعات مجلس الوزراء، لأنها تطلق إشارات تكشف إلى أين تتجه عُمان، وكيف تفكر في حاضرها، وبأي أدوات تستعد لمُستقبلها، وهي مُعطيات يريد أن يقرأها بوعي كل مواطن، بل وكل مستثمر يريد أن يستثمر في عُمان الأمان والاستقرار والازدهار. وما خرج به اجتماع مجلس الوزراء أمس في صلالة يستحق قراءة أوسع من مجرد استعراض بنود وملفات؛ فنحن أمام مجموعة من القرارات والتوجيهات التي تتصل بالاقتصاد والمالية والصحة والاستثمار والإدارة المحلية والسياحة والاستقرار الوطني، لكنها في جوهرها تلتقي عند هدف واحد: بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات، وأكثر استعدادًا لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة.
وأكثر ما يلفت الانتباه هو التركيز على الاستدامة المالية، في وقت لم تعد فيه الاقتصادات الحديثة قادرة على بناء خططها على افتراضات ثابتة أو ظروف مستقرة دائمًا. وهنا أتوقف كثيرًا عند التوجيه السامي بمواصلة تعزيز السياسات المالية ورفع قدرتها على التكيف مع المتغيرات الخارجية، لما يحمله من دلالة مؤثرة في المشهد الاقتصادي، فما تحقق من منجزات تنموية وإنفاق ملياري على المشروعات المختلفة، يستلزم بالضرورة تعزيز قدرة الدولة على الحفاظ على مكتسباتها، وضمان استمرار مشاريعها وخدماتها للأجيال المقبلة.
كما أن الميزان التجاري غير النفطي احتل مكانة لافتة في بيان مجلس الوزراء، حيث جرى توجيه الحكومة لإعداد خطة طويلة المدى لزيادة الإنتاج المحلي، والاستفادة من المواد الخام الوطنية، والموقع الجغرافي والموانئ والبنية الأساسية والاتفاقيات التجارية، وهو ما يؤكد أن الرؤية السامية السديدة تتجاوز فكرة تنويع مصادر الدخل إلى بناء اقتصاد منتج قادر على التصدير والمنافسة، في ظل ما يعتري المشهد الاقتصادي العالمي والإقليمي من متغيرات.
ولا شك أنَّ قيمة هذا التوجه تتمثل في إعلاء مكانة الإنتاج المحلي، كأحد الفواعل في منظومة الاقتصاد الوطني، فلا نمو دون إنتاج، ولا إنتاج دون أيدٍ عاملة، وهو ما يعني ضمنًا توفير المزيد من الوظائف، بالتوازي مع جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية على السواء. وفي ظل مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فإنَّ هذه الاستثمارات يؤمل منها إنشاء مصانع وبناء سلاسل إمداد وتوفير فرص عمل ومنتجات قابلة للتصدير ومحتوى محلي يُحدث أثرًا اقتصاديًا يدوم لأجيال ممتدة، وليس فقط قرارات وقتية تُنسب لجهة أو أخرى؛ بما يضمن بناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
ولذلك يجب أن نُشيد ونُثمِّن عاليًا قرار مجلس الوزراء بإقرار البرنامج الوطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار، والذي سينطلق بداية العام المقبل 2027، ليكون برنامجًا وطنيًا تمكينيًا يسهم في رفع تنافسية بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ومواصلة تطوير جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين والمستثمرين خلال المرحلة المقبلة.
وقد قطعنا شوطًا كبيرًا فيما يتعلق بسرعة الإجراءات ووضوحها، وجودة الخدمات، واستقرار البيئة التشريعية والتنظيمية، وقدرة المؤسسات على مواكبة احتياجاته، ولذلك فإنَّ تحسين بيئة الأعمال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية بناء الثقة في الاقتصاد العُماني، وتمكين القطاع الخاص من أداء دوره بصورة أكبر.
نقطة أخرى توقفت عندها في البيان، وهي مباركة مجلس الوزراء تأسيس تجمعات متخصصة للصناعات الدوائية والأجهزة الطبية في المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة، وهذا من شأنه أن يربط النمو الاقتصادي بتعزيز الأمن الصحي والدوائي، وبناء القدرات الوطنية في إنتاج الصناعات الدوائية وتوطين المعرفة والتكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على الخارج في قطاعات حيوية واجهنا بالفعل تحديات فيها كما حدث إبان جائحة كوفيد-19. ومثل هذه التجمعات تمزج بين الاستثمار والبحث العلمي والتصدير، لتُشكِّل عناصر متكاملة تخدم اقتصادنا الوطني والمواطن.
وفي ظل الاهتمام السامي بملف الأداء الحكومي، تأتي الإشادة السامية بالوحدات ذات الأداء المرتفع، والتركيز على جودة التخطيط والتنسيق والمتابعة، لتؤكد رؤية جلالته- أعزه الله- للنهوض بالجهاز الإداري للدولة، وتعزيز اللامركزية ودفع خطط التنمية المحلية قدمًا لتحقيق تطلعات المواطن. وبالتوازي مع هذه الإشادة، جاء التوجيه السامي بأهمية تقييم اختصاصات المجالس البلدية وتكامل أدوارها مع المحافظين، في وقت تتجه فيه التنمية إلى المحافظات والولايات على نحو لا مركزي يدعم تسريع الجهود الوطنية في التنمية وضمان استدامتها؛ الأمر الذي يفرض على كل مواطن سيُدلي بصوته في الانتخابات البلدية المقبلة، أن يختار الأنسب والأجدر بهذا المنصب، بعيدًا عن أية حسابات أخرى، قد لا تخدم الوطن ولا مسيرة نهضتنا المتجددة.
كل هذه التطورات والمعطيات، كانت حاضرة في البيان الصادر عن مجلس الوزراء، لتؤكد مدى الحرص السامي على متابعة كل ما يهم المواطن ويضمن تحقيق التنمية الشاملة المستدامة، ولذلك لا يخالطني شك أنَّ المرحلة المقبلة ستشهد المزيد من التطوير والتنمية، التي تترجم الرؤية السامية وتُلبي تطلعات كل مواطن، في معيشة كريمة ووطن آمن مستقر واقتصاد مزدهر.
حفظ الله جلالة السلطان المفدى، وأيده بنصرٍ من عنده، وحفظ لنا عُمان أبية شامخة آمنة مطمئنة.
