د. مجدي العفيفي
(1)
ومضة لا بد منها: مرثية لـ «أم القنوات»
كم تمنيتُ ألا أكتب هذه الكلمات، وأنا الذي أمضيتُ في شارع الصحافة وعالم الإعلام العربي والإقليمي والدولي أكثر من نصف القرن -ولا أزال أصهل- أقولها والحزن يكسو ذاتي الإعلامية: كنتُ أعتبر قناة «الجزيرة» وأعلن أنها «أمُّ» القنوات العربية، وكم تصديتُ للدفاع عنها منذ بزوغ فجرها منتصف التسعينيات، لكن دوام الحال من المحال، ومهما كان الخلاف والاختلاف، يظل البعد القومي والاعتزاز بالعروبة أكبر وأعظم العناوين لكل عربي حر، بعيدًا عن الانتماءات القطرية الضيقة والتصنيفات المذهبية البغيضة.
(2)
حين تدق الساعة العاشرة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، تنزع قناة الجزيرة قناع الإخبار التقليدي لتبسط فوق شاشتها ما يُسمى بـ «مائدة نقاش الساعة».
مائدة افتراضية، تُفرش كل ليلة منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب الأمريكية الصهيونية القذرة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
الظاهر في هذا البرنامج/المائدة هو «نقاش الساعة» لتفكيك مجريات صراع كوني وازن، أما الباطن فهو مسرح عبثي تلتف حوله شخوص منتقاة.
يزعم مقدمو المائدة في «المقدمة المكرورة» أن ضيوف المائدة يقدمون تحليلًا موضوعيًّا، بينما هم في الحقيقة يعيدون تدوير غثاء «البيت الأسود» الأمريكي، وترهات راعي البقر ترامب، ومرحاضه «النتن ياهو» في منطقة الشرق الأوسط.
(3)
حين تحاول الإحاطة مخبريًّا وتفكيك هويات الجالسين إلى هذه المائدة، تُصاب بالعجب العجاب. ينقسم المشهد إلى فئتين لا تلتقيان: جبهة من الأكاديميين والمفكرين ذوي الوزن الفكري الثقيل الذين يحترمون وعي المشاهد وعقوله، وفي المقابل، حشد من الأبواق التائهة، والغارقين في الأحقاد الشخصية أو العمالة الفكرية لـ «القبعة الأمريكية»، بعد أن شاخ سادتهم القدامى في «التاج البريطاني»، وكانوا يعرفون بـ «خدام التاج» عيانًا بيانًا!!
أتحدث عن مجموعة الضيوف الذين يظهرون بشكل ثابت تقريبًا، ويتناوب معهم مجموعة أخرى من المتحدثين الذين يظهرون أحيانًا ويختفون أحيانًا أخرى، لا سيما الذين لا يقيمون في العاصمة القطرية «الدوحة».
(4)
@ الفئة الأولى: الكبار.. واحة العقل والأكاديمية الرصينة
وسط ضجيج الصراخ والسخف السياسي، تبرز شخصيات سياسية وأكاديمية وازنة، تحيط بما يُطرح إحاطة سياسية بلغة الأعماق البعيدة، بأسلوب يجمع بين عمق الرؤية وبساطة الأداة. هنا، كل كلمة بمقدار، وكل عبارة محسوبة، وأطروحاتهم مضيئة وليست حمَّالة أوجه.
وفي طليعة هؤلاء الأساتذة الموضوعيين، يبرز الدكتور إبراهيم فريحات، الباحث والأكاديمي الفلسطيني-الأردني، وأستاذ النزاعات الدولية وإدارتها في معهد الدوحة للدراسات العليا. يتحدث فريحات بلغة المراجع الأكاديمية المرموقة، متجاوزًا السطحية ليقدم رؤية استراتيجية حول تسوية النزاعات الإقليمية، وهو الذي نُشرت كتاباته في «نيويورك تايمز» و«فورين أفيرز».
إلى جانبه، يقف الدكتور محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن بواشنطن. عالم الاجتماع والمفكر المغربي البارز هذا، يمثل مرجعًا في تفكيك آليات التعبئة العامة والدعاية السياسية وتوجيه الصراعات، مجردًا الشاشة من التضليل الاستعماري عبر قراءة علمية هادئة لمآلات العلاقات الدولية.
ولا تكتمل الرصانة على هذه المائدة إلا بحضور الدكتور محجوب الزويري، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر وسياساته في جامعة قطر. وبفضل رصيده الغني الذي يتجاوز 90 مطبوعة أكاديمية محكمة، يقدم الزويري تشريحًا تاريخيًّا وسياسيًّا عميقًا للملف الإيراني وسياقاته الإقليمية، بعيدًا عن الغوغائية.
ومن قلب طهران، يطل الدكتور حسن أحمديان، الأستاذ المساعد في دراسات غرب آسيا وشمال أفريقيا بجامعة طهران. رجل يتسم بالاتزان المطلق، لا يتهور ولا ينفعل، رغم التحرش البشع والاستفزازات اليومية التي يتعرض لها من الضيوف الأمريكانيين واللبنانيين الرافضين لخيار المقاومة. بلغة عربية فصيحة، يطرح أحمديان أبحاثه التي تتجاوز مئة عمل؛ ليفكك السياسة الخارجية الإيرانية بمنطق رجل العلم الذي لا ينطق عن هوى سياسي أو عنصري.
ويكتمل هذا العقد الفكري بالدكتور محمد صالح صدقيان، الكاتب والصحفي ومدير المركز العربي للدراسات الإيرانية. وبصفته خبيرًا عراقيًّا عريقًا في الشؤون الإيرانية، يقدم صدقيان قراءات متزنة تشكل بوصلة حقيقية للمشاهد وسط أمواج التضليل.
(5)
@ الفئة الثانية: أبواق «التضليل» وسقوط «الحياد» المزعوم
ما إن تفرغ من هؤلاء الكبار، حتى تصطدم بالباقين الذين تحركهم نظرات قطرية ضيقة، أو يكررون ببلاهة سياسية مفردات الخطاب الأمريكي الذي يصور إيران كعدو مطلق يريد تدمير المنطقة، متناسين تمامًا من الذي يشن الحرب الفعلية.
تجد مثلًا لقاء مكي، الذي يُقدم بوصفه الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات. هذا الباحث العراقي لا ينفك ينفث حقده الدفين على الإيرانيين، مجترًّا مرارات قديمة، وممارسًا تصفية حسابات شخصية على حساب القضية الراهنة، وقد سجل سقطة مدوية حين أعلن على الشاشة في بداية الحرب ضرورة «التخلص من النظام العراقي الحالي»، مما اضطر الجزيرة إلى الاعتذار -وعلى الملأ- عن هذا السلوك المشين.
أما صالح المطيري، الكويتي الذي يرأس مركزًا يسمى «المدار للدراسات السياسية»، فهو يفتقر إلى أبسط أدوات الرؤية السياسية والمنهج الأكاديمي، أسلوبه صاخب، يقاطع زملاءه الأكاديميين، ويغتصب الكلمة بفظاظة؛ ليجتر فكرة مكررة وبليدة مفادها «ضرورة دخول دول الخليج في أي اتفاقات قادمة مع إيران حتى لا تقع ضحية سلاح الطاقة»، متبنيًا الهواجس الأمريكية المدمرة بحذافيرها.
وعلى الجانب اللبناني، يبرز وسام نصيف، الذي يبدو في كل حلقة كأن بينه وبين حزب الله والمقاومة ثأرًا شخصيًّا وعائليًّا؛ حيث يصب حقده وكراهيته العميقة لكل فعل مقاوم. يرافقه في هذا الخط الاستفزازي الدكتور سليم زخور، الذي يشن هجومًا مثيرًا للدهشة السلبية المقيتة على المقاومة وإيران، محولًا التحليل إلى حفلة شتائم بلا حياء. بينما يطل الدكتور نواف محمد، ليردد في الحلقة الواحدة أكثر من عشر مرات معزوفة «السيادة اللبنانية والجيش اللبناني»، في محاولة بائسة لتصوير لبنان كقوة عظمى معزولة عن محيطها وصراعها الوجودي مع العدو الصهيوني.
هؤلاء الأشقاء يطالبون تصريحًا وتلميحًا بتدمير إيران والتخلص من نظامها، وكأن هذه الحضارة الفارسية الضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا هي كيان هش مثل كثير من بلدانهم الطارئة.
وحين تقصف إيران القواعد العسكرية الاستعمارية في الخليج، تتعالى صيحاتهم بالشجب والاستنكار، أما تدمير لبنان وإيران وفلسطين بأيدي الصهاينة والأمريكيين، فيباركونه بـ «صمت التواطؤ»!!
(6)
@ الغطرسة الأمريكية والوجوه المستعارة
عند الانتقال إلى الطرف «الأصيل» في المحور المعادي، يتبدى لنا وجه الإمبراطورية المتغطرسة في أبشع صور النرجسية.
هنا نرى «بيتر روف» الذي يمثل العنجهية النيوليبرالية الأمريكية في أقصى تجلياتها؛ نرجسية ترى تمنياتها واقعًا وإرادتها شريعة دولية، تمامًا كأكاذيب ترامب التي يظن أنها تصنع الحقائق. روف يحتكر بكل وقاحة تصنيف من هو «الإرهابي» ومن هو «القانوني»، واصفًا المقاومة بالإجرام، وسط ذهول الدكتور أحمديان من عدم اعتراض الضيوف العرب على هذه الإهانات.
وليس بعيدًا عنه، يظهر هذا الـ«جوي هود» النائب السابق لمساعد وزير الخارجية الأمريكي. بوق فكري مثير للشفقة، يمارس الكراهية المباشرة والسب العلني للجانب الإيراني والمقاومة، بلا أدنى كبح دبلوماسي... ومن المفارقات الوقحة أن هذا الكائن كان يوجه السباب إلى النظام الإيراني، ويقول إنه أعدم 40 ألف شخص -وفي رواية أخرى بغيضة- 50 ألفًا دفعة واحدة -كأنه كان موجودًا بينهم- وأنه لا يسمح للمرأة بالخروج إلى الشارع!!، ولم يخجل من قوله هذا، مع أن بجانبه كانت تجلس باحثة إيرانية، أستاذة علوم سياسية في جامعة بريطانية، ولم يتحرك المذيع ليناقشه.
أما الحالة الأكثر فصامًا وإثارة للاشمئزاز، فتمثلها الأمريكية - الأردنية «هيام نعواس» التي كرهها الجمهور العربي عن جدارة. جعلت نعواس من وجهها العربي قناعًا لتمرير السياسات الأمريكية القذرة، ثم ارتدت الوجه الأمريكي الأبيض لتتخفى من أصلها وهويتها. إنها تعيش فصامًا بنيويًّا، وتجسد مع روف وهود منظومة إعلامية غربية تكافئ المحدودية والتبعية، بجعلهم أبواقًا تبث الكذب بصفة «تحليل رصين».
هذا بعض من كل أمريكي تغشاه موجات الكذب والتضليل.
(7)
@ موقف المذيعين: بين الصمت المتواطئ واليقظة القومية
في وسط هذه المعمعة، لا يمكن إعفاء مذيعي ومقدمي برنامج الجزيرة من المسؤولية؛ فمعظمهم يلتزم الصمت المريب حين يهاجم هؤلاء الرعاع رجال المقاومة ومؤيديها. يتركون الأبواق الأمريكية تتبجح بلا حياء، ويرددون غثاء البيت الأبيض دون رادع، إلا أن الإنصاف يقتضي استثناء ثلاثة أسماء متيقظين يراعون الحس القومي العربي:
الأستاذة «إلسي عاصي»، الوحيدة التي تحاور وتجادل بعلم ووعي، وتقف حائط صد أمام التدليس..
والأستاذ «محمد أبو كريشة»، الإعلامي الواعي الذي يملك مجسات حادة تكشف الأفكار المسمومة المغلفة بالحياد، والأستاذ زين العابدين توفيق، الذي يبذل جهدًا إعلاميًّا جبارًا حين يقاطع بعض المتنطعين والمتجاوزين، ليعيد قطار الحوار إلى مساره العروبي الصحيح.
(8)
@ حتمية كسر الإمبراطورية
إن «مائدة الجزيرة» في نهاية المطاف هي مرآة مشوهة لتوازنات القوى الدولية. من الطبيعي عندما يواجه بلد ما إمبراطورية مهيمنة أن يبدو في موقف حرج، لكن التاريخ يعلمنا أن مواجهة الإمبراطورية من هذا الموقف الحرج بالذات هي التي تغير الموازين وتصنع النصر.
(9)
@ في فلسفة اللغة، هناك فارق بين «الحديث» و«الكلام»؛ فالكلام مجرد تلفظ بأصوات غير ذي معنى. وأكلة هذه المائدة - باستثناء الأساتذة الذين ذكرتهم في بداية المقال - لا «يتحدثون»، بل «يتكلمون» ويثرثرون عما يسمونه محور إيران (حزب الله في لبنان والعراق، وأنصار الله في اليمن)، بينما يعجزون عن وصف «إسرائيل» بحقيقتها كـ «مرحاض للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط»، و«مصب النفايات السياسية»، بحسب توصيفات ساسة أمريكيين أمثال: المفكرين اليساريين «نعوم تشومسكي» و«إدوارد سعيد»، و«بات بوكانان» من اليمين المحافظ، و«فيندلي»، وهو سياسي ونائب سابق في الكونغرس الأمريكي.
(10)
ستبقى مأدبتهم الليلية، وقد أظهرت لنا مفكرين أحرارًا، إلا أنه في بعدها السلبي، مادة للسخرية في فضاء الميديا.
وسيبقى التاريخ يُكتب بدماء المقاومين الشرفاء على الأرض، لا بغثاء الأبواق المأجورة خلف الشاشات.
