صنعاء - الوكالات
يتسع نطاق التصعيد العسكري في اليمن، مع انتقال المواجهات في عدد من الجبهات إلى مرحلة أكثر كثافة، خصوصًا في غربي تعز والساحل الغربي وجنوب الحديدة، بالتزامن مع تحركات عسكرية وتعزيزات للقوات الحكومية، وعودة قوات العمالقة إلى مسرح العمليات، وسط استخدام متزامن للقوات البرية والطيران والمسيرات.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المواجهات لم تعد تقتصر على عمليات محدودة على خطوط التماس، بل تتجه نحو إعادة رسم خريطة الانتشار العسكري في عدد من المحاور الاستراتيجية، في ظل استعداد قوات درع الوطن لإرسال نحو ألفي جندي إلى مناطق القتال، إلى جانب وصول تعزيزات من قوات العمالقة إلى ساحل البحر الأحمر.
ويتركز التصعيد بصورة أساسية في محورين؛ الأول غربي مدينة تعز، والثاني في جنوب الحديدة، وهما منطقتان تتمتعان بأهمية استراتيجية بسبب ارتباطهما بالساحل الغربي وشبكة الطرق التي تصل تعز بعدن وإب والحديدة، وصولًا إلى صنعاء.
وتعكس التطورات تحولًا لافتًا في طبيعة العمليات العسكرية، إذ انتقلت المواجهة من الاعتماد بصورة أكبر على الطائرات المسيرة إلى اشتباكات برية تدعمها عمليات جوية، في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تعزيز مواقعها ومنع الحوثيين من تحقيق اختراقات جديدة.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب هجمات متعددة المحاور، قالت الرواية الحكومية والتحليلات الميدانية إنها استهدفت إرباك القوات الحكومية واستغلال نقاط الضعف في بعض المواقع غربي تعز، إلى جانب محاولة قطع خطوط الإمداد والحركة.
وفي المقابل، فإن وصول تعزيزات جديدة من قوات العمالقة ودرع الوطن يمكن أن يحد من قدرة الحوثيين على تحويل المكاسب الميدانية المحدودة إلى تقدم واسع، خصوصًا مع أهمية خطوط الإمداد في تحديد مسار المعارك.
ولا تقتصر أهمية المعارك الحالية على السيطرة على مواقع داخلية، إذ يحمل الساحل الغربي أهمية استراتيجية ترتبط مباشرة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وتكمن أهمية هذا المحور في أن أي تقدم عسكري باتجاه الساحل قد يمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على التأثير في خطوط الملاحة البحرية، وهو ما يضفي على المعارك اليمنية أبعادًا إقليمية ودولية تتجاوز حدود الجبهات المحلية.
ويرتبط باب المندب بحركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ولذلك فإن تطورات المعارك على الساحل الغربي تثير مخاوف إضافية بشأن أمن الملاحة، خاصة في ظل التوترات السابقة والتهديدات المرتبطة بحركة السفن في البحر الأحمر.
ومن هذا المنطلق، تبدو معركة الساحل بالنسبة للقوات الحكومية محاولة لمنع الحوثيين من الوصول إلى مواقع تمنحهم قدرة أكبر على التأثير في طرق الملاحة والإمداد.
الجراحي وحيس.. صراع على بوابة جنوب الحديدة
وفي جنوب الحديدة، تبرز مناطق حيس والجراحي وزبيد باعتبارها محاور مهمة في مسار العمليات العسكرية.
وتكتسب الجراحي أهمية خاصة بسبب موقعها بين حيس وزبيد، إذ إن تحقيق اختراق فيها قد يفتح الطريق باتجاه زبيد والمناطق المؤدية إلى الحديدة.
وفي المقابل، تتعرض حيس لضغوط عسكرية، بينما تحاول القوات الحكومية تنفيذ تحرك باتجاه الجراحي لتخفيف الضغط عنها، والحيلولة دون توسيع الحوثيين نطاق سيطرتهم باتجاه الساحل.
كما تمثل عودة قوات العمالقة إلى جبهة الساحل عاملًا مهمًا في المعادلة الميدانية، بالنظر إلى خبرتها السابقة في القتال ضمن هذه المنطقة قبل انتقال أجزاء منها إلى عدن ومناطق جنوبية أخرى.
ولا يقل محور جنوب تعز أهمية عن جبهة الساحل، إذ تبرز منطقة حيفان باعتبارها منطقة مرتفعة ذات أهمية استراتيجية، نظرًا لتحكمها في مسارات تربط تعز بعدن ولحج.
كما يرتبط موقعها بقربها من الحوبان والراهدة، وهما منطقتان مهمتان بالنسبة إلى حركة القوات وخطوط الإمداد في تعز.
وبالتالي، فإن المعارك في حيفان لا تتعلق بالسيطرة على قرى أو مواقع مرتفعة فحسب، وإنما ترتبط بمحاولة كل طرف قطع خطوط إمداد خصمه وتأمين طرق تحرك قواته.
ولا تبدو التطورات العسكرية محصورة في تعز والحديدة، إذ تشير المعطيات الواردة إلى امتداد النشاط العسكري إلى مناطق أخرى، من بينها مأرب والجوف وشرق اليمن، مع ورود معلومات عن غارات جوية في الجوف.
وفي حال تزامنت العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، فقد تجد القوات الحكومية نفسها أمام اختبار يتعلق بقدرتها على توزيع مواردها وتعزيزاتها، في مقابل محاولة الحوثيين فتح جبهات متزامنة وتشتيت القوات المناوئة لهم.
ويجعل اتساع نطاق العمليات من مسألة الإمداد والقدرة على الحفاظ على خطوط الاتصال بين الجبهات عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه المعارك خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات متسارعة مرتبطة بإيران والبحر الأحمر، ما يمنح التطورات العسكرية في اليمن بعدًا إقليميًا إضافيًا.
فأي تغير في ميزان القوى على الساحل الغربي يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الداخل اليمني، خصوصًا إذا وصل القتال إلى مناطق أكثر قربًا من الممرات البحرية الحيوية.
وفي أحدث التطورات الميدانية، أعلنت وكالة الأنباء اليمنية مقتل أربعة مدنيين وإصابة تسعة آخرين في قصف قالت إن الحوثيين نفذوه على تجمع للمدنيين جنوبي تعز.
وفي المقابل، أعلنت وسائل إعلام حكومية إسقاط مسيرتين حوثيتين انتحاريتين موجهتين بالألياف الضوئية في جبهة البرح غربي تعز.
ومع استمرار وصول التعزيزات العسكرية وتعدد محاور القتال، تبدو الجبهات اليمنية أمام مرحلة جديدة قد تحددها قدرة كل طرف على الحفاظ على خطوط الإمداد، والسيطرة على المرتفعات والطرق الرئيسية، ومنع خصمه من الوصول إلى الساحل والممرات المؤدية إلى باب المندب.
