محمد الرواحي
يمثل منح المحافظات مخصصات مالية مستقلة تحولًا عمليًا نحو اللامركزية، وتمكينًا لها من ترتيب أولوياتها وفق احتياجاتها الواقعية، غير أن نجاح هذه الخطوة لا يقتصر على حجم المبالغ المرصودة، بل يرتكز، بالأساس، على كفاءة إدارتها، وعدالة توزيعها بين مختلف الولايات.
ليس منطقيًا أن تستأثر مراكز المحافظات بالحصة الأكبر من المشاريع والخدمات، بينما تتحصل بقية الولايات على نصيب هامشي لا يسد احتياجاتها، ولا يستثمر مكامن قوتها. العدالة التنموية هنا لا تعني القسمة المتساوية، ولا التوزيع المتساوي للأرقام، بل صياغة معايير موضوعية تراعي الكثافة السكانية، وطبيعة الفرص الاقتصادية، والمقومات السياحية، ومستوى الخدمات القائمة بالفعل.
كل ولاية لها شخصيتها الخاصة؛ بمواردها، أو طبيعتها الجغرافية، أو إرثها الثقافي، وتوجيه الاستثمار نحو هذه الخصائص كفيل بتحويل كل ولاية إلى مركز جذب اقتصادي أو سياحي قائم بذاته، يسهم في تنويع منابع الدخل، ويخلق فرص عمل جديدة، ويُنشط الحركة التجارية المحلية.
إلى جانب ذلك، فإن توزيع الخريطة الاستثمارية على اتساع المحافظة يقلل الضغط الخدمي والسكاني عن المركز، ويشجع المواطنين على الاستقرار في ولاياتهم، متى ما توفرت لهم الخدمات الأساسية، وبنية التنمية القريبة.
وهنا تتضاعف أمانة المجالس البلدية؛ إذ يتطلب الدور منها نظرة شمولية تتجاوز نطاق المركز الإداري الضيق. فالمحافظات لا تنهض بولاية واحدة تتكدس فيها الخدمات، بل بمنظومة ولايات متكاملة تستثمر الميزات النسبية لكل جزء فيها.
التنمية المتوازنة ليست مجرد خيار تنموي، بل هي استثمار استراتيجي في استقرار المجتمع، وبناء اقتصاد محلي صلب. وكل ريال يُستثمر في ولاية تمتلك مقومات واعدة كفيل بأن يتحول إلى مشروع مستدام يُحرّك السوق، ويصنع فرصًا للأجيال القادمة.
وفي النهاية، لا تُقاس تجربة التنمية بما أُنجز في مباني المركز الإداري، بل بمدى أثرها الملموس في حياة المواطن داخل كل ولاية، وجودة الخدمات التي تصل إليه، والفرص التي تنعكس على واقع يومه.
