خلفان الطوقي
لا تتطور الدول صدفة، وإنما من خلال الجهود الحثيثة التي تقوم بها الحكومات. ويتحقق تقدم الدول بسرعات متباينة بين دولة وأخرى، فكلما كانت حكومة ما ذات نباهة وحنكة، وتمتاز بمهارة اقتناص الفرص، كانت أسرع من غيرها في التقدم والتطور، وفي الحصول على فرص عديدة ومكاسب أعظم، تعود بالفائدة عليها، وعلى مجتمعها الذي ترعاه.
ويمكن تبسيط مفهوم «اقتناص الفرص» من خلال مثال واقعي يستحق التوقف عنده، وهو نجاح سلطنة عُمان في الانضمام إلى عضوية المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي (WAIC)، وهي منظمة عالمية حديثة النشأة تأسست في شهر يوليو 2026م، وذلك من خلال جهود وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات ووزارة الخارجية. وتضم المنظمة 29 دولة حول العالم، وهنا يتجلى معنى «اقتناص الفرص»، إذ لم تكتفِ السلطنة بالانضمام إليها عضوًا فحسب، بل أصبحت عضوًا مؤسسًا إلى جانب الدول الثماني والعشرين الأخرى.
ومجرد حصول السلطنة على صفة» عضو مؤسس« في أهم المجالات على مستوى العالم، وهو الذكاء الاصطناعي، يضمن لها موطئ قدم مع الدول الكبرى، ويمنحها الأولوية في المشاريع المطروحة في هذا المجال الحيوي، والأسبقية في المناقشات المتعلقة بفرص قطاع الذكاء الاصطناعي وتحدياته، كما يتيح لها فرصة تأهيل كوادرها العُمانية لتكون أكثر جاهزية للحاضر والمستقبل، وأن تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وأن تستفيد الاستفادة القصوى من هذه العضوية منذ انطلاقة المنظمة، بما يضع عُمان أمام مسؤولية ترسيخ مكانتها في مقدمة الاقتصاد الرقمي، من خلال تبني ممارسات وتشريعات ومبادرات عصرية تليق بمقعدها في هذه المنظمة الحديثة.
وقد تكون كلمة "عضوية" مستساغة في العرف الدولي، لكن عندما تُضاف إليها كلمة "مؤسس"، تصبح عُمان عضوًا مبادرًا لا مجرد عضو حاضر، وتنتقل من المشاركة الدورية إلى تحمل مسؤوليات عظام تليق بهذا اللقب، ومن الوجاهة إلى المبادرة والاقتراح والعطاء. فبالرغم من شرف هذا اللقب وما يوفره من مزايا وأولوية، فإن هذا المقعد له ثمن ومسؤولية، داخل المنظمة وخارجها.
إن اقتناص هذه الفرصة العظيمة يختصر علينا أميالًا من الجهود المبعثرة، فهو يجمعنا مع عمالقة الاقتصادات التي وضعت اللبنة الأولى لإحدى أهم المنظمات العالمية المختصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي يمثل، باختصار، جوهر مستقبل العالم وعموده الفقري.
وقصة النجاح هذه يجب ألا تتوقف هنا، فكما نجحت الحكومة في هذا القرار الاستراتيجي في مجال تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي، فلا بد أن تتكرر قصص النجاح في مختلف قطاعاتنا الاقتصادية والعلمية وغيرها، من خلال قفزات نوعية يبادر بها كل مسؤول حكومي، تشمل الاستفادة القصوى من جميع العضويات الإقليمية والعالمية، والمبادرة بكل ما من شأنه أن يضمن لنا مكانة متقدمة تليق بعُمان، وتحويل العضويات الدولية من مجرد وجاهة إلى فرص ملموسة. فالانضمام إلى عضوية المنظمات يُعد أسهل بكثير من الاستفادة القصوى منها.
وعليه، لا بد من طرح هذا السؤال على رؤساء الوحدات الحكومية، كلٌّ في جهته: هل حققت عضويتنا في هذه المنظمة أو تلك ما دُفع من رسوم نظير العضوية؟ وهل كانت مشاركتنا مجدية من خلال اقتناص الفرص الكامنة فيها؟ أم أن حضورنا مجرد مشاركة شكلية؟ وكيف لنا، من الآن فصاعدًا، أن ننتقل إلى مستوى أعلى في اقتناص الفرص أينما وُجدت، وتفعيل عضوياتنا بأقصى ما يمكن؟
