محمد بن علي العريمي
تشهد الموانئ العُمانية خلال عام 2026 مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي تعكس نجاح سلطنة عُمان في ترسيخ موقعها كمركز لوجستي إقليمي يربط بين أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا وأوروبا. ولم يعد دور هذه الموانئ يقتصر على استقبال السفن ومناولة البضائع، بل أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة التنويع الاقتصادي التي تتبناها الحكومة ضمن مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على العائدات النفطية من خلال توسيع مساهمة القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفي مقدمتها قطاع النقل والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، عكست البيانات المسجلة خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات إيجابية تؤكد استمرار النشاط التجاري في الموانئ الرئيسة، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تشهدها التجارة العالمية نتيجة التقلبات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف النقل البحري في بعض المسارات، والتغيرات التي طرأت على سلاسل الإمداد الدولية. فقد سجلت قيمة صادرات الموانئ العُمانية حتى نهاية أبريل 2026 مستويات لافتة، إذ بلغت صادرات ميناء صحار نحو 2.21 مليار دولار، بينما سجل ميناء صلالة صادرات بقيمة 773 مليون دولار، ووصلت صادرات ميناء الدقم إلى نحو 439 مليون دولار، وهو ما يعكس تفاوت الأدوار الاقتصادية بين هذه الموانئ، وفي الوقت نفسه يؤكد تكاملها داخل المنظومة اللوجستية الوطنية.
ويبرز ميناء صحار باعتباره المحرك الرئيسي لحركة الصادرات العُمانية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي المطل على بحر عُمان وقربه من مضيق هرمز، إضافة إلى تكامله مع المنطقة الحرة في صحار والقاعدة الصناعية المحيطة به. وقد ساهم هذا التكامل في جذب استثمارات صناعية كبيرة خلال السنوات الماضية في قطاعات المعادن والبتروكيماويات والطاقة والخدمات اللوجستية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم الصادرات الصناعية وغير النفطية. كما أن ارتباط الميناء بشبكة طرق حديثة وسهولة الوصول إلى الأسواق الخليجية عززا من قدرته التنافسية في جذب حركة التجارة الإقليمية.
وفي المقابل، يواصل ميناء صلالة الحفاظ على مكانته كأحد أهم مراكز إعادة الشحن البحري في المنطقة، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي على خطوط الملاحة الدولية التي تربط الشرق بالغرب دون الحاجة إلى دخول الخليج العربي. ويمنح هذا الموقع الميناء ميزة تنافسية مهمة، خصوصًا في ظل استمرار شركات الشحن العالمية في البحث عن موانئ تتمتع بكفاءة تشغيلية مرتفعة وقدرة على تقليل زمن الرحلات البحرية. وتشير البيانات التشغيلية للميناء إلى استمرار تعامله مع ملايين الحاويات سنويًا، بما يعزز دوره في حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويؤكد قدرته على استيعاب النمو المتوقع في الطلب على خدمات النقل البحري.
أما ميناء الدقم، فرغم أن قيمة صادراته لا تزال أقل مقارنة بصحار وصلالة، فإن مسار تطوره يحمل دلالات اقتصادية مهمة تتجاوز الأرقام الحالية. فالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم تعد واحدة من أكبر المشاريع التنموية في السلطنة، وقد شهدت خلال عام 2026 توقيع مجموعة جديدة من الاتفاقيات الاستثمارية في قطاعات الصناعات الثقيلة، والبطاريات، والمستحضرات الدوائية، ومواد البناء، باستثمارات تجاوزت 200 مليون ريال عُماني، وهو ما يعزز من القاعدة الإنتاجية للميناء، ويدعم نمو صادراته خلال السنوات المقبلة.
ومن ناحية أخرى، لا يمكن قراءة الأداء الإيجابي للموانئ العُمانية بمعزل عن التطور الذي يشهده قطاع الخدمات اللوجستية بشكل عام. فقد أعلنت السلطنة خلال احتفالها بيوم اللوجستيات العُماني في أبريل 2026 عن توقيع 24 اتفاقية استثمارية في مجالات الموانئ والمطارات والنقل والتخزين، إلى جانب إطلاق مبادرات لتوسيع استخدام التقنيات الذكية في إدارة العمليات اللوجستية، بما يعكس توجه الحكومة نحو رفع كفاءة القطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فمنذ جائحة كوفيد-19، أعادت الشركات العالمية النظر في استراتيجيات سلاسل الإمداد، وأصبح تنويع مراكز الإنتاج والتخزين والنقل أولوية لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسارات محددة. وفي هذا الإطار، تستفيد سلطنة عُمان من موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، والذي يسمح بوصول السفن إلى الموانئ العُمانية دون الحاجة إلى عبور مضيق هرمز بالنسبة لبعض الخطوط البحرية، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بعدد من الموانئ الإقليمية.
وعلاوة على ذلك، فإن نجاح الموانئ لا يقاس فقط بقيمة الصادرات، وإنما أيضًا بقدرتها على تحفيز الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. فكل زيادة في حركة البضائع تعني نموًا في خدمات النقل، والتخزين، والتأمين، والتخليص الجمركي، والصناعات التحويلية، إضافة إلى توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. كما يسهم توسع النشاط اللوجستي في رفع جاذبية السلطنة للاستثمارات الأجنبية التي تبحث عن بيئة مستقرة وبنية تحتية متطورة تسمح بالوصول السريع إلى الأسواق الإقليمية.
وفي الوقت ذاته، تواجه الموانئ العُمانية تحديات لا يمكن تجاهلها. فالمنافسة الإقليمية تزداد مع استمرار الاستثمارات الضخمة في تطوير الموانئ الخليجية، كما أن تقلبات التجارة العالمية وتغيرات أسعار الشحن البحري تؤثر بصورة مباشرة على حركة التجارة. كذلك، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية في بعض الممرات البحرية يفرض على شركات النقل إعادة تقييم مساراتها بصورة مستمرة، وهو ما يجعل الحفاظ على الكفاءة التشغيلية وسرعة الخدمات عاملًا حاسمًا في تعزيز القدرة التنافسية للموانئ العُمانية.
ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن ارتفاع صادرات الموانئ يعكس أيضًا تحسن مساهمة الصادرات غير النفطية في النشاط الاقتصادي، وهو أحد الأهداف الرئيسة لسياسات التنويع الاقتصادي في السلطنة. فكلما ارتفعت الصادرات الصناعية واللوجستية، تراجعت درجة الاعتماد على إيرادات النفط، وازدادت قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية. ولذلك، فإن تطوير المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة المرتبطة بالموانئ يمثل استثمارًا طويل الأجل في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
كما أن التكامل بين ميناء صحار، وميناء صلالة، وميناء الدقم يمنح السلطنة مرونة استراتيجية نادرة في المنطقة. فلكل ميناء تخصصه، وموقعه الجغرافي، ومزاياه التشغيلية، وهو ما يقلل من الازدواجية ويعزز تكامل الخدمات اللوجستية. ويتيح هذا التنوع توزيع الأنشطة الاقتصادية بما يتناسب مع طبيعة كل منطقة، سواء في الصناعات الثقيلة، أو إعادة الشحن، أو الخدمات البحرية، أو الصناعات التصديرية.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المؤشرات الحالية أكثر من مجرد أرقام تعكس حركة الصادرات خلال أربعة أشهر، إذ تمثل دليلًا على أن الاستثمارات التي ضختها السلطنة خلال السنوات الماضية في تطوير البنية الأساسية للموانئ والمناطق الاقتصادية بدأت تترجم إلى نتائج اقتصادية ملموسة. ومع استمرار تنفيذ مشاريع صناعية ولوجستية جديدة، وتعزيز الشراكات مع المستثمرين الدوليين، وتحسين بيئة الأعمال، تبدو فرص نمو القطاع اللوجستي العُماني مرشحة للاستمرار خلال السنوات المقبلة، شريطة المحافظة على وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، ومواصلة الاستثمار في التكنولوجيا، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، بما يعزز مكانة سلطنة عُمان بوصفها إحدى أهم البوابات البحرية والتجارية في المنطقة.
