د. علي موسى الكناني
لا تقاس قوة العراق في محيطه الإقليمي بالبعد الاقتصادي والتجاري وحده، بل إن قدرته الفريدة والتاريخية على فتح خطوط تواصل ساخنة ومباشرة مع مختلف الأطراف الإقليمية المتصارعة والمتقاطعة في وقت واحد تمنحه وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا مضاعفًا لا سيما في لحظات الانسداد الدبلوماسي الحاد.
وتحرُّك بغداد المتواصل لطرح مبادرات حوار إقليمية تجمع دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران حول الملفات الشائكة المتعلقة بالأمن القومي والتفاهمات المباشرة وتأمين الملاحة البحرية لا يهدف إطلاقًا إلى إغراق الإدارة العراقية في دور الوسيط المنهك دائمًا في كل أزمة صغيرة أو كبيرة ولا تحميله أعباءً سياسية وأمنية تفوق طاقته الوطنية؛ بل يمثل في جوهره تحولًا صريحًا وحاسمًا من موقع الدولة المتلقية لارتدادات الصراعات إلى موقع الفاعل المباشر والمؤثر في إدارتها وتفكيك تعقيداتها، وبما يضمن لبغداد امتلاك مساحة حركة مستقلة تحمي أمنها القومي وتمنع بشكل قاطع تحول الساحة الداخلية إلى ميدان واسع لتصفية الحسابات الإقليمية، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الوظيفة الدبلوماسية الناجزة تكتسب أهميتها من كونها أداة حماية ذاتية متقدمة تضمن استمرارية البرامج التنموية والإصلاحية بعيدًا عن الكلفة الباهظة للصراعات الخارجية التي دفعت البلاد ثمنها غاليًا على مدار العقود الماضية.
ويتطلب هذا الدور السياسي والدبلوماسي المحوري إسنادًا حقيقيًا عبر 3 مراسٍ جوهرية ترتكز عليها العلاقات العراقية-الخليجية وتمنحها الصلابة والقدرة على مواجهة التحديات المتجددة، كما يلي:
أولًا: المرسى الأمني وسيادة الدولة الذي ينطلق مباشرة من حقيقة التداخل العضوي والأمني القائم بين العراق ودول الخليج بحكم الجغرافيا المباشرة وحركة النقل البحري وسلاسل توريد الطاقة، وهو ما يفرض على السلطات العراقية العمل المستمر لترسيخ احتكار السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وبسط نفوذ القانون، وحماية حدود البلاد البرية والبحرية، ومنع استخدام أراضيها أو أجوائها بأي شكل من الأشكال كمنصة انطلاق للاعتداء على دول الجوار أو تهديد مصالحها الحيوي، لتقديم بغداد نفسها كشريك أمني موثوق ومؤسسي قادر على ضبط بيئته الداخلية وتأمين مسارات التجارة والاستثمار الإقليمية ضد أي أخطار أو تهديدات غير رسمية.
ثانيًا: المرسى المؤسسي الذي ينقل العلاقات العراقية-الخليجية من إطار اللقاءات البروتوكولية والمصافحات السياسية العابرة القابلة للهشاشة والعطب أمام أول اختبار أو أزمة طارئة، إلى فضاء التنسيق المؤسسي الشامل والمستمر القائم على إبرام الاتفاقيات والمعاهدات الملزمة، وتشكيل اللجان القضائية والاقتصادية والأمنية الدائمة، وتفعيل التكامل البرلماني والمؤسساتي الصلب لضمان حماية الشراكات وتدفق الاستثمارات العابرة للحدود بعيدًا عن التقلبات المزاجية للأنظمة أو التغيرات الحكومية الدورية التي شهدتها وتطرقها المنطقة.
ثالثًا: المرسى المجتمعي والقوة الناعمة الذي يرتكز بشكل أساسي على استثمار العمق التاريخي والثقافي والروابط العشائرية والأكاديمية الممتدة، إلى جانب تفعيل دور القطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث والدراسات في كلا الجانبين، بهدف بناء جسور تواصل شعبية تشكل سدًا جماهيريًا وغطاءً اجتماعيًا واعيًا يحمي العلاقات الرسمية من الهزات السياسية والدعاية المضادة والإشاعات الموسمية التي تحاول عادة إرباك مسارات التقارب.
وفي المحصلة النهائية، فإن هذا التوازن الاستراتيجي المنشود لا يعني إطلاقًا الحياد السلبي أو الانكفاء على الذات في منطقة الظل، بل يعني امتلاك قرار وطني صريح وشجاع يرفض الانخراط في لعبة الاصطفافات الإقليمية والمحاور المتصارعة، ويترجم في الوقت ذاته المقومات الذاتية الهائلة التي يمتلكها العراق- من موقع جغرافي حاكم يربط الشرق بالغرب، وموارد طبيعية متنوعة، وسوق استهلاكي واعد، وثقل سكاني وعربي متين- إلى أوراق نفوذ سياسي واقتصادي حقيقية تُدار بعقلية الدولة المستقلة ذات السيادة؛ إذ إن هذه الخصائص لا تتحول تلقائيًا إلى قوة نفوذ ما لم تقترن بوجود إدارة حصيفة، ومؤسسات صلبة، واستقرار داخلي متماسك، لبناء شراكات استراتيجية متكافئة قائمة على الندّية والمصالح المتبادلة، وتجعل من أمن العراق واستقراره الداخلي جزءًا حيويًا ومباشرًا من المحفظة المالية والأمنية والاستراتيجية لجميع دول المحيط الخليجي.
