المهارات الحياتية.. سلاح الخريج في سوق العمل (1-2)

 

 

 

 

د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي **

الحصول على الشهادة الجامعية وحده لم يعد كافياً لضمان نجاح الخريج في سوق العمل، فالمتغيرات المتسارعة في عالم اليوم، والتطور التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات التي يشهدها سوق العمل، جعلت أصحاب الأعمال يبحثون عن خريج يمتلك إلى جانب المعرفة التخصصية مجموعة من القدرات التي تمكنه من توظيف ما تعلمه في مواقف الحياة والعمل.

ومن هنا ظهرت أهمية المهارات الحياتية باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء شخصية الإنسان وإعداده للمستقبل، وليس باعتبارها مهارات إضافية أو ترفاً يمكن الاستغناء عنه. ويمكن النظر إلى المهارات الحياتية باعتبارها مجموعة من القدرات والمعارف والاتجاهات والسلوكيات التي تساعد الإنسان على إدارة حياته بصورة أكثر فاعلية، والتعامل مع الآخرين، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وإدارة الوقت، والتكيف مع التغيرات، وتحقيق أهدافه الشخصية والمهنية. وهي في نظر الباحثين وأصحاب الأعمال لا تعني بديلًا عن المعرفة التخصصية، وإنما تعني القدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة وقيمة حقيقية؛ فالمعرفة تجيب عن سؤال ماذا نعرف، بينما تساعدنا المهارات الحياتية على الإجابة عن سؤال كيف نستخدم ما نعرفه.

وتظهر قيمة هذه المهارات من منظور أصحاب الأعمال، عندما يستطيع الموظف أن يتواصل بوضوح، ويعمل ضمن فريق، ويتعامل مع المشكلات، ويتحمل المسؤولية، ويتعلم بسرعة، ويتكيف مع المتغيرات، ويقترح الحلول بدلًا من انتظار التعليمات دائمًا. وتشير اتجاهات سوق العمل الحديثة إلى تزايد أهمية التفكير التحليلي، والمرونة والقدرة على التكيف، والتفكير الإبداعي، والقيادة، والتأثير الاجتماعي، والوعي الذاتي، والثقافة التقنية، والتعلم المستمر، وهي مهارات لا ترتبط بتخصص جامعي معين بقدر ارتباطها بقدرة الإنسان على النجاح في بيئة متغيرة. ولهذا فإن المهارات الحياتية ليست مهمة للخريج الجامعي وحده، وإنما لكل شخص يسعى إلى تطوير ذاته وتحسين حياته وعمله وعلاقاته، فالطبيب يحتاج إلى مهارات التواصل واتخاذ القرار، والمهندس يحتاج إلى العمل الجماعي وحل المشكلات، والمعلم يحتاج إلى المرونة والتعامل مع الآخرين، والمحاسب يحتاج إلى التحليل والدقة والتواصل، ورائد الأعمال يحتاج إلى التفاوض والقيادة والتخطيط، وحتى الإنسان في حياته اليومية يحتاج إلى إدارة وقته، وتنظيم أولوياته، والتعامل مع الاختلاف، واتخاذ القرارات، وإدارة علاقاته ومسؤولياته.

ومن هنا يمكن القول إن الاستثمار في المهارات الحياتية هو في جوهره استثمار في الإنسان نفسه، لأنها تمنحه قدرة أكبر على فهم ذاته، واكتشاف نقاط قوته، ومعرفة جوانب الضعف التي تحتاج إلى تطوير، وبناء أهداف واقعية، والتعامل مع الفشل باعتباره تجربة للتعلم وليس نهاية الطريق. وتزداد أهمية هذه المهارات بالنسبة للخريج الجامعي عندما ننتقل من قاعة المحاضرة إلى ميدان العمل، فقد يكون هناك خريجان يحملان التخصص نفسه والتقدير نفسه، ولكن أحدهما ينجح في المقابلة لأنه يستطيع أن يقدم نفسه بثقة، ويتحدث بوضوح، ويشرح تجاربه، ويجيب عن الأسئلة بطريقة تكشف قدرته على التفكير والتعامل مع المشكلات.

فإذا سأل صاحب العمل مثلًا: حدثنا عن موقف واجهت فيه مشكلة وكيف تعاملت معها، فإن الإجابة التي تقول إن الخريج لم يواجه مشكلة كبيرة لا تكشف الكثير عن قدراته، بينما الإجابة التي توضح أنَّ الخريج واجه مشكلة أثناء مشروع جامعي، وقام مع فريقه بتحديد أسبابها وتقسيم العمل من جديد والبحث عن بدائل حتى تمكنوا من إنجاز المشروع في الوقت المحدد، تكشف بصورة عملية عن مهارات حل المشكلات والعمل الجماعي وإدارة الوقت وتحمل المسؤولية والمبادرة. وهذا هو الفارق الذي تصنعه المهارات الحياتية فهي تحول التجربة العادية إلى دليل على الكفاءة. ومن هنا يأتي الدور المهم للكليات والجامعات؛ فالجامعة ليست مكانًا للحصول على المعرفة والشهادة فقط، وإنما ينبغي أن تكون بيئة تساعد الطالب على بناء شخصيته والاستعداد للحياة والعمل.

ولا يعني ذلك بالضرورة إضافة عشرات المقررات الجديدة إلى الخطط الدراسية، وإنما يمكن دمج المهارات الحياتية في طريقة تدريس المقررات القائمة. فإذا كان المقرر يتناول موضوعًا يحتاج إلى التحليل، يمكن للمحاضر أن يقدم للطلاب حالة واقعية ويطلب منهم تحليلها واقتراح حلول لها، وإذا كان المقرر يتطلب الكتابة، يمكن تكليف الطالب بإعداد تقرير مهني، وإذا كان يتطلب العرض والتواصل، يمكن أن يقدم الطالب جزءًا من مشروعه أمام زملائه، وإذا كان يتطلب العمل التطبيقي، يمكن أن ينفذ الطلاب مشروعًا جماعيًا يوزع عليهم فيه الأدوار والمسؤوليات. وبهذه الطريقة لا تصبح المهارات الحياتية عبئًا إضافيًا على المحاضر أو الطالب، وإنما تصبح جزءًا طبيعيًا من عملية التعلم.

** مستشار أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z