د. علي بن حمدان بن محمد البلوشي**
في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، يعتمد نجاح المؤسسات على قدرتها على الإنجاز، وسرعة الاستجابة، وجودة الخدمات التي تقدمها، وكفاءة استثمارها للموارد البشرية والمالية. ومن هذا المنطلق، أصبح ترشيق المؤسسات أحد أبرز التوجهات الإدارية الحديثة التي تبنتها الحكومات والمنظمات الرائدة حول العالم، باعتباره وسيلة لتطوير الأداء المؤسسي، وليس مجرد تقليص للهياكل أو خفض للنفقات، كما يعتقد البعض.
وفي سلطنة عُمان، جاء هذا التوجه ضمن الرؤية المتجددة في عهد مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، الذي وضع منذ بداية عهده المبارك أسسًا واضحة لبناء جهاز إداري أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على مواكبة متطلبات المستقبل، انسجامًا مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040". وقد شهدت السلطنة إعادة هيكلة عدد من الوزارات والهيئات الحكومية ودمج بعضها، بهدف الحد من التداخل في الاختصاصات، وتبسيط الإجراءات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمستثمرين، بما يعزز قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.
غير أن نجاح أي عملية لترشيق المؤسسات لا يعتمد على إصدار القرارات التنظيمية فحسب، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بإدارة التغيير وقيادته بصورة احترافية. فالتغيير، في مفهومه الإداري، هو عملية انتقال مخططة من واقع قائم إلى واقع أكثر كفاءة وفاعلية، تستجيب لمتطلبات البيئة الداخلية والخارجية. أما إدارة التغيير، فهي مجموعة من السياسات والعمليات التي تهدف إلى قيادة هذا الانتقال بطريقة منظمة تقلل من مقاومة العاملين، وتعزز مشاركتهم، وتضمن استدامة النتائج. وقد أكد العديد من علماء الإدارة، ومن أبرزهم كيرت لوين وجون كوتر، أن نجاح التغيير لا يتحقق إلا إذا أُدير وفق رؤية واضحة، وخطة مدروسة، وقيادة قادرة على كسب ثقة العاملين وتحويلهم إلى شركاء في رحلة التطوير.
وتسعى المؤسسات، من خلال التغيير، إلى تحقيق أهداف متعددة، من أهمها رفع كفاءة الأداء، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، ورفع رضا المستفيدين، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد. ويتميز التغيير الناجح بأنه عملية مستمرة ومخططة وشاملة، تتعامل مع الإنسان والتقنية والهيكل والإجراءات في آن واحد، ولا تقتصر على تعديل اللوائح أو إعادة توزيع الإدارات.
وتتعدد دوافع التغيير؛ فقد تكون خارجية، كالتطور التقني المتسارع، والتحول الرقمي، والمنافسة العالمية، والتغيرات الاقتصادية والتشريعية، وقد تكون داخلية، مثل انخفاض الإنتاجية، أو تضخم الهياكل التنظيمية، أو بطء الإجراءات، أو ارتفاع التكاليف، أو تراجع مستوى رضا المستفيدين. وهناك مؤشرات واضحة تستدعي التحرك، منها كثرة الشكاوى، وضعف التنسيق، وتأخر إنجاز المعاملات، وتكرار الاختصاصات، وانخفاض رضا الموظفين، وهي جميعها مؤشرات تدفع المؤسسة إلى إعادة النظر في أساليب عملها قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب معالجتها.
وتشمل مجالات التغيير مختلف جوانب المؤسسة، كإعادة تصميم الهياكل التنظيمية، وتطوير السياسات والإجراءات، والتحول الرقمي، وتحديث أنظمة العمل، وتنمية الموارد البشرية، وتعزيز الثقافة التنظيمية. وقد يكون التغيير تدريجيًّا يتم على مراحل، أو جذريًّا يحدث نقلة نوعية في طريقة عمل المؤسسة، تبعًا لطبيعة الظروف والأهداف المنشودة.
ولأن الإنسان هو محور أي عملية تطوير، فإن أكثر ما يحدد نجاح التغيير هو كيفية التعامل مع الموظفين خلال مراحله المختلفة. فالكثير من مقاومة التغيير لا تنبع من رفض التطوير، وإنما من الخوف من المجهول، أو القلق بشأن المستقبل الوظيفي، أو الشعور بعدم العدالة، أو ضعف التواصل مع الإدارة. ولهذا، فإن المؤسسات الناجحة تعتمد على الحوار والشفافية، وتوفر التدريب والتأهيل، وتشرك العاملين في صنع التغيير، وتوضح لهم أهدافه ومراحله وآثاره المتوقعة، مما يعزز الثقة ويحول المقاومة إلى دعم ومساندة.
ومن أهم النماذج التي تناولت إدارة التغيير نموذج كيرت لوين، الذي يقسم العملية إلى ثلاث مراحل تبدأ بتهيئة العاملين للتغيير، ثم تنفيذه، وأخيرًا ترسيخه في الثقافة التنظيمية، بينما قدم جون كوتر نموذجًا أكثر تفصيلًا يقوم على بناء الشعور بالحاجة إلى التغيير، وصياغة رؤية واضحة، وتشكيل فرق قيادية، وتحقيق إنجازات قصيرة المدى، ثم تثبيت التغيير باعتباره جزءًا من ثقافة المؤسسة.
كما تختلف استراتيجيات تنفيذ التغيير بحسب طبيعة الموقف؛ فقد يكون الأنسب إشراك الموظفين في تصميم الحلول عندما تكون المقاومة مرتفعة، أو التركيز على الاتصال والتوعية عند ضعف المعلومات، أو الاستثمار في التدريب عند إدخال تقنيات جديدة، أو اللجوء إلى التفاوض في حال تعارض المصالح، بينما قد تفرض بعض الظروف الطارئة استخدام القرارات الحاسمة عندما تكون سرعة التنفيذ ضرورة لا تحتمل التأجيل.
ومع ذلك، تبقى العدالة التنظيمية هي حجر الزاوية في أي عملية إعادة هيكلة أو دمج للمؤسسات. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بمدى تقليص الإدارات أو دمج الوحدات التنظيمية، بل بمدى شعور الموظفين بأن حقوقهم محفوظة، وأن الفرص متكافئة، وأن القرارات اتخذت وفق معايير مهنية موضوعية بعيدًا عن الاجتهادات الشخصية أو الاعتبارات غير الموضوعية. ومن هنا، فإن تسكين الموظفين في الهياكل الجديدة يجب أن يستند إلى معايير واضحة وشفافة ومعلنة، تعتمد على الكفاءة، والمؤهلات، والخبرات، والأداء الوظيفي، والقدرات القيادية، والجدارات المطلوبة لكل وظيفة، مع توفير آليات عادلة للتظلم والمراجعة، بما يرسخ الثقة بين الموظف والمؤسسة، ويعزز الانتماء التنظيمي.
إن العدالة في التسكين ليست مطلبًا وظيفيًّا فحسب، بل هي استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري؛ فهي تقلل من مقاومة التغيير، وتحافظ على الكفاءات الوطنية، وترفع الروح المعنوية، وتدفع الموظفين إلى الإسهام الإيجابي في إنجاح مرحلة التحول. أما غياب العدالة أو غموض المعايير، فإنه قد يؤدي إلى فقدان الثقة، وتراجع الولاء المؤسسي، وهجرة الكفاءات، وهي نتائج قد تكون أكثر كلفة من أي وفورات مالية تحققها عملية الهيكلة.
وفي هذا السياق، يأتي الدور المحوري لقيادة التغيير؛ فالقائد الحقيقي لا يكتفي بإصدار القرارات، بل يصنع القناعة، ويقدم القدوة، ويستمع إلى العاملين، ويشرح لهم الرؤية، ويطمئنهم على مستقبلهم، ويحول التغيير من مصدر للقلق إلى فرصة للنمو والتطوير. كما أن نجاح القيادة في إدارة التغيير يرتبط بقدرتها على بناء ثقافة تنظيمية تقوم على الثقة، والعمل الجماعي، والتعلم المستمر، والابتكار، والانفتاح على الأفكار الجديدة، لأن الثقافة التنظيمية هي البيئة التي ينمو فيها التغيير أو يتعثر.
وفي الختام، فإن ترشيق المؤسسات هو وسيلة لبناء مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة واستدامة. وعندما يقترن هذا التوجه بإدارة تغيير علمية، وقيادة ملهمة، وعدالة تنظيمية تضمن تكافؤ الفرص وشفافية التسكين، يصبح التغيير مشروعًا وطنيًّا يعزز الثقة، ويصنع مؤسسات قادرة على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق تطلعات التنمية. فالاستثمار الحقيقي ليس في إعادة رسم الهياكل التنظيمية فحسب، وإنما في كسب ثقة الإنسان الذي سيقود تلك الهياكل نحو النجاح، لأن المؤسسات تُبنى بالأنظمة، لكنها تزدهر بعدالة قياداتها وكفاءة موظفيها.
**مستشار أكاديمي
