عبدالله الخضوري
عندما يشاهد الملايين مباريات كأس العالم 2026، تتجه الأنظار إلى اللاعبين والمدربين والحكام، إلا أن هناك عنصرًا أساسيًا يعمل خلف الكواليس لضمان نزاهة المنافسة ودقة القرارات، وهو علم المترولوجيا (Metrology)، أو علم القياس.
يُشكل المترولوجيا الركيزة الأساسية للعديد من التقنيات الحديثة المستخدمة في كرة القدم، حيث تعتمد الأنظمة التحكيمية المتقدمة على قياسات دقيقة للغاية لا يمكن تحقيقها دون وجود أجهزة معايرة وفق معايير دولية معترف بها.
وتُعدُّ تقنيةُ خطِّ المرمى من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تعتمد على منظومة من الكاميرات وأجهزة الاستشعار القادرة على تحديد ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت خط المرمى بالكامل خلال أجزاء من الثانية. كما تعتمد تقنية التسلل شبه الآلي على قياسات مكانية وزمنية عالية الدقة لتحديد مواقع اللاعبين والكرة بصورة فورية، مما يسهم في تعزيز العدالة وتقليل الأخطاء التحكيمية.
وفي كأس العالم 2026، ستلعب الكرة الذكية دورًا مهمًا في دعم القرارات التحكيمية وتحليل الأداء الرياضي، من خلال مستشعرات إلكترونية متطورة تقوم بقياس حركة الكرة وسرعتها وموقعها بشكل مستمر أثناء المباراة. وتعتمد موثوقية هذه البيانات على دقة القياسات وصحة المعايرات التي تسبق استخدامها في المنافسات الرسمية.
كما تمتد تطبيقات المترولوجيا إلى مجالات أخرى داخل الملاعب، تشمل قياس شدة الإضاءة، ودرجات الحرارة، والرطوبة، وجودة أنظمة العرض والبث، إضافة إلى أجهزة تتبع اللاعبين وتحليل أدائهم البدني، الأمر الذي يضمن توفير بيئة رياضية آمنة وعادلة وفق أعلى المعايير الدولية.
ومن هنا يبرز الدور الحيوي للمختبرات الوطنية للقياس والمعايرة التي تعمل على ضمان تتبع القياسات إلى المراجع الوطنية والدولية، والتحقق من دقة الأجهزة المستخدمة في مختلف القطاعات التقنية. ويُعدُّ الالتزامُ بالمواصفة الدولية ISO/IEC 17025 أحد العوامل الأساسية لضمان موثوقية نتائج القياس ودعم الابتكار والتطور التكنولوجي في المجالات الرياضية وغيرها.
إن النجاح التنظيمي والتقني لكأس العالم 2026 لا يعتمد فقط على البنية الرياضية أو الكفاءات البشرية، بل يرتكز كذلك على منظومة متكاملة من القياسات الدقيقة والمعايير الفنية التي تضمن العدالة والشفافية وجودة الأداء. ولذلك يمكن القول إن علم المترولوجيا يمثل أحد الأبطال غير المرئيين الذين يسهمون في إنجاح أكبر حدث كروي في العالم.
