الوساطة التجارية.. المسار الأمثل لحل النزاعات

 

 

د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي**

ahmed120.law@gmail.com

يتسم عالم التجارة والأعمال بسرعة التطور والنمو في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الاقتصادي على المستويين الوطني والعالمي، ومن ثم لم تعد المنازعات التجارية التي يشهدها هذا القطاع مجرد خلافات قانونية متعلقة بالنقل والتوريد، أو المطالبات المالية، أو تفسير وتأويل النزاعات التعاقدية، أو السير في الإجراءات الخاصة بتنفيذ المشاريع اللوجستية، بالإضافة إلى الشراكات التجارية بين الشركات والمؤسسات الأخرى في القطاعين العام والخاص، أو بينها وبين الأفراد، بل أصبحت من أهم التحديات التي قد تنعكس سلبًا على هذه الشركات. ومن أبرز هذه الآثار:

  • زعزعة ثقة المستثمرين.
  • التأثير في استمرارية الشركات في التطور والتوسع في أنشطتها التجارية.
  • إغلاق بعض الشركات في ظل الاستنزاف المالي وضعف الإدارة القانونية.
  • التأثير في خلق قنوات تواصل مع العملاء قائمة على السمعة والإنتاجية.

 

وتأسيسًا على ذلك، ظهرت الوساطة التجارية كأحد أبرز الحلول الفاعلة لحل النزاعات ووأدها في مهدها، وذلك بطريقة تتسم بالمرونة والسرعة اللازمتين لتحقيق الاستقرار المالي للشركات التجارية، مع المحافظة على الحقوق المترتبة بين الطرفين والعلاقات الناشئة بينهما.

وغني عن البيان أن الوساطة التجارية هي إجراء اختياري تتولاه جهة الوساطة، بكل حياد واستقلال، عبر القيام بإدارة الحوار بين الأطراف محل النزاع، والسعي إلى تقريب وجهات النظر فيما بينهم، بغية مساعدتهم على التوصل إلى حل رضائي، عوضًا عن اللجوء إلى الجهات القضائية.

ولا غرو أن الوساطة التجارية تمتاز عن التقاضي بالعديد من المزايا والخصائص، أبرزها:

  • تقوم على التوصل إلى حلول رضائية بموافقة الطرفين.
  • تتسم بالسرية، وهذا يجنب الشركات البوح ببياناتها المالية.
  • المحافظة على المعلومات التجارية والأسرار المهنية.
  • المرونة في اتخاذ الإجراءات.
  • السرعة في التوصل إلى حلول.

ولا جرم أن أهمية الوساطة التجارية لا تنحصر في حل وإنهاء النزاعات التجارية، بل يمتد أثرها إلى المحافظة على العلاقات والسمعة التجارية، واستمرار نمو الشركات والتوسع في أنشطتها، وهو ما يتعذر في غير قليل من الأحيان بعد صدور الأحكام القضائية. لذلك تزداد أهمية الوساطة التجارية في بيئة التجارة والأعمال مع توسع هذا المجال وتعدد وتنوع مجالاته وأنشطته، ناهيك عن كونها محل ثقة للمستثمرين؛ لكونها أداة فعالة لحل الخلافات بعيدًا عن التعقيدات القضائية.

وصفوة القول، لا تعد الوساطة التجارية مجرد توجه قانوني، بل استثمارًا في استقرار المعاملات المالية، وأداةً في دعم الاقتصاد الوطني للدولة، عوضًا عن كونها آلية تتسم بالتوافق والتطابق مع بيئة الأعمال القائمة على التعاون والتعاضد وترسيخ الثقة، وهو ما يصعب تحقيقه في الأحكام القضائية.

لذلك، ندعو الشركات التجارية إلى إيلاء القضاء البديل، المتمثل في الوساطة والتسوية الودية، الأولوية، وتقديمه كأساس يتم من خلاله حل النزاعات التجارية، لما يمثله هذا النوع من القضاء البديل من أهمية للصالح العام للدولة، من حيث تقليل العبء على المحاكم القضائية، والمحافظة على استقرار الاقتصاد الوطني، وجذب الاستثمار الأجنبي، فضلًا عن أهميته الخاصة لهذه الشركات، والتي تتمثل في المحافظة على سمعتها وسرية معلوماتها المالية والمهنية، والحفاظ على العلاقات التجارية، واستقرار بنيتها المؤسسية، واتساع نطاق نموها وتنوع أنشطتها، بالإضافة إلى ما يمثله العنصر الزمني من أهمية في المعاملات المالية، والمتمثلة في سرعة الفصل في النزاعات.

 

**خبير في مجال الوساطة والتسوية الودية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z