ماجد بن علي الهادي
لتسكن عقلك ضع شيفرة لا يعرفها عقلك
هناك أكثر من مساحة للواقع، وأكثر من متسع. هناك ما يُدرك وما لا يُدرك، فما يُدرك يطوقك، ويحيط بك، ويحملك، ويسافر بك مسافات شاسعة وأمكنة بعيدة. وما لا يُدرك يتراكم في عقلك، ويلتف في كل ثنايا وزوايا تفكيرك، ويخزنك في رفوف ومصفوفات وناقلات عصبية لا تفهمها. وفي كل الأحوال أنت في سفر، مدركًا أو غير مدرك. أنت المحيط الفكري، وما يحيط بك من أفكار وهواجس، بمثابة الساحل الذي تتلاعب برماله أمواج الأفعال.
هناك أكثر من مساحة عقلية يكتنفها الغموض وتشعلها الأفكار والنيات. هناك أكثر من متسع يسكن العمق العقلي، يحاول جزافًا أن يشغل التدبير، لكنه يتراكم فوق الإرهاصات بعيدة المدى. فيقحم ذاته في التصرفات اللاإرادية، ويستميت لانتزاع القيادة.. قيادة الحرب الضروس بين العقل والقلب، بين ما تراه النفس لذةً واستمتاعًا، وما يراه العقل وحلًا ومستنقعًا ضحلًا من الأضرار.
يتشارك الواقع هنا في معضلة اللاتفنيد، ويتشارك بحقائقه التي لا مراء منها ولا فيها، ويتشارك بمساحاته الشاسعة من العواصف القامعة، تلك التي تحاول النفوس والعقول، على حد سواء، تجنبها والفرار منها. مشاركته تفرض التفنيد، وترفض المجاملة على حساب عدالة الصواب والعقلانية. فتزداد مساحات التأنيب مطوقة بارتكاز آخر، تشكل في الحيثية الفعلية اللامتوقعة، الحيثية المتنفسة تضاد الأفعال والأقوال.
لا تقل بأن عقلك بعيد عن التطويق الذهني المتضاد، لأنك، ببساطة، تعيش أفكارك وتسكنها قبل أن تسكنك، وبهذه السكنى فأنت مطوق بواقع واسع وخيال شاسع. شئت أم أبيت، ما أنت إلا روح تتلاعب بها ضحكات ساخرة وأخرى منبهرة، ولا تستطيع التمييز بينهما؛ لأن عقلك مطعم بتراكمات، تلك التي قد صادقتها منذ نعومة أظافرك.
إنها الحقيقة، ومن يجاملك على حسابها هو ذاته ملعوب على أفكاره ومغلوب على أمره. لا شيء يفسر إن سكنت أفكارك بأفكار أخرى، ولا شيء يعلل إن غفوت وغفلت عن إشراقة نور البصيرة. كل الاصطدامات الفكرية ما هي إلا مخاض لجدل عقيم، لا يستقيم ظله أبدًا، اعوجاجه نشأ من زيف حاول جزافًا أن يسميه واقعًا، والواقع بريء منه.
المصفوفات المتراصة في عقلك، والمبرمجة على تصرفات وأفعال محددة، لا يمكنها التضاد مع ناقلاتها العصبية. لذلك، فالواقع لا يجامل ولا يحيد عن المسار العقلاني الرصين. إنها الحياة بحلوها ومرها، والسماء بألوانها العاكسة ألوان الطيف الماطرة على أرض الحقيقة.
لا يملك العقل استحواذًا على مجريات طُبع بها قبل أن يولد، ومجربات نشأ عليها قبل أن يكون هنا طريقًا للفكر ومسارًا للعقل. إنها الحياة، شاء من شاء وأبى من أبى، ستعيشها وفق المسار الذي تسمى باسمك، ووفق الطريق الذي تعنون بهويتك، ووفق المكتوب الذي تسطر ببصمتك.
لن تشاركك عقول أخرى، ولن تزاحمك نفوس مثلى، فالكل مشغول بمساراته، والجميع مزدحم بمنحنيات طرقه ودروبه. فانسلخ من وهم التشابه، والتزم بمعنى وضوح حقيقة بأنه ليس هناك من يتلصص عليك أو يراقبك. أنت وعقلك ونفسك وطريقة تفكيرك، من يحدد ويؤكد على هويتك.
أنت الحقيقة وإن حاول عقلك التهرب منها، وأنت الانعكاس الحقيقي وإن حاولت الصورة تشويهها. فلا تبحث عن عقلك في عقول الآخرين، ولا تستطلع واقعًا قد تسمى فعليًا بواقع آخر. لا تتوهم بأن تفكيرك يتميز بوحدانية الاستحواذ الذهني لماهية أمور هي، في الحقيقة، قد ألفتها عقول أخرى.
نعم، سيتمكن عقلك، باجتهاداته الفكرية، يومًا ما من امتلاك حق ماهية ما، ولكن يجب عليك أولًا أن تؤمن بالتضحيات، وتتيقن من قدرتك على شحذ عقلك من بطارية الصبر. ولا يغرنك وهم الوصول ولا غرور التميز، فهناك من يسابقك بصمت، ومن يسبقك في الخفاء.
ما يُدرك سيطوقك بقوة، ولن تتمكن من الانفلات منه، وما لا يُدرك أساسًا يسكنك قبل أن تعيه، ورغم ذلك لا ولن تعيه، لأنه لا يُدرك.
عقولنا عالم يسكننا، ونحاول أن نسكنه بشتى الطرق، لكنه وضع على جبين واجهته قانونًا صارمًا نافذًا. هذا القانون مشرع بالفطرة، ومصان بالميزان الحياتي، ومحصن بالمبادئ الرصينة، ومحاط بالدروع المنهجية لمعنى العدل. وعلى ضوء هذا التحصين، يسمح لتفكيرنا بأن ينتهج ما يوازنها ويسمح لها بالتفاعل وفق المنظومة القابلة للتنفيذ على أرض واقع الحق والحقيقة.
