خالد بن محمد بن حارب الجابري
عندما تُخطط الدول لمشاريع البنية الأساسية، فإنها لا تنظر إلى الطرق باعتبارها مسارات لعبور المركبات فحسب، وإنما باعتبارها شرايين للتنمية، ومحركات للاقتصاد، وأدوات لجذب الاستثمار، ووسيلة لتعزيز جودة الحياة. ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع طريق لا يُقاس بطوله أو تكلفته، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه على الاقتصاد والمجتمع لعقود قادمة.
وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن مشروع الطريق الدائري المقترح لولاية عبري، وهو مشروع يستحق الدراسة والنقاش من منظور تنموي شامل، يضع الأولويات في مكانها الصحيح، ويجيب عن سؤال جوهري: هل تحتاج عبري في هذه المرحلة إلى طريق دائري، أم أن الأولوية تكمن في تطوير وتأهيل شبكة الطرق الحالية التي تمثل العمود الفقري للحركة الاقتصادية؟
تتمتع ولاية عبري بموقع استراتيجي استثنائي؛ فهي البوابة الغربية لسلطنة عُمان، ونقطة التقاء الطرق القادمة من محافظة الداخلية والمتجهة إلى محافظة البريمي ودولة الإمارات العربية المتحدة، كما تشكل محورًا رئيسًا للحركة التجارية والنقل البري نحو منفذ الربع الخالي المؤدي إلى المملكة العربية السعودية. وهذا الموقع منح الولاية، عبر التاريخ، مكانتها التجارية، وجعلها محطة رئيسية للمسافرين، ومركزًا للأسواق، والخدمات، والاستثمارات.
ولذلك، فإن أي قرار يتعلق بشبكة الطرق يجب ألا يقتصر على معالجة الازدحام المروري، بل ينبغي أن ينظر إلى تأثيره على الأسواق، والاستثمار، والخدمات، والسياحة، وحركة النقل، ومستقبل التنمية في المحافظة.
إن الطريق الدائري قد يحقق انسيابية مرورية حول المدينة، لكنه، في المقابل، قد يؤدي إلى تحويل جزء كبير من حركة العبور بعيدًا عن الأسواق والمرافق التجارية والخدمية داخل الولاية، وهو ما يستدعي دراسة دقيقة للعائد الاقتصادي والاجتماعي للمشروع، ومقارنته بالبدائل المتاحة.
ومن وجهة نظري، فإن الأولوية في المرحلة الحالية ينبغي أن تتجه إلى معالجة التحديات القائمة على الطريق الحالي، الذي يشكل الشريان الرئيسي لعبري، وذلك من خلال إنشاء جسور علوية على الدوارات الأكثر ازدحامًا، وتحويل بعض التقاطعات إلى إشارات ضوئية ذكية، وتوسعة الطريق وإعادة تأهيله وفق أعلى معايير السلامة، إضافة إلى إنشاء طريق مزدوج يربط المناطق الصناعية مباشرة بمنفذ الربع الخالي، بما يعزز كفاءة النقل، ويخفض تكاليف الشحن، ويخدم الحركة التجارية بين سلطنة عُمان ودول الخليج.
هذه المعالجات لن تحسن الحركة المرورية فحسب، بل ستنعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي، من خلال دعم الأسواق، وزيادة الإقبال على الأنشطة التجارية، وتشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع جديدة، وتعزيز مكانة عبري كمركز لوجستي وتجاري مهم، بدلًا من أن تصبح مجرد نقطة عبور يتم تجاوزها.
كما أن توجيه الاستثمارات نحو تطوير المحاور الحالية سيحقق استفادة أكبر من البنية الأساسية القائمة، ويرفع كفاءتها التشغيلية، ويؤجل الحاجة إلى إنشاء مشاريع جديدة مرتفعة التكلفة إلى حين تصبح ضرورية فعلًا وفق مؤشرات النمو السكاني والاقتصادي والمروري.
إن التنمية الناجحة لا تقوم على كثرة المشاريع، وإنما على حسن اختيار الأولويات. فقد يكون المشروع الصحيح في التوقيت الخاطئ أقل أثرًا من مشروع آخر يعالج احتياجًا قائمًا ويحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكبر.
ولا يُفهم من هذا الطرح أنه اعتراض على إنشاء الطريق الدائري، بل هو دعوة إلى إعادة تقييم الأولويات وفق دراسات فنية واقتصادية شاملة، توازن بين انسيابية الحركة والمحافظة على النشاط الاقتصادي، وتضمن توجيه الإنفاق العام نحو المشاريع التي تحقق أعلى قيمة مضافة للوطن والمواطن.
إن عبري تستحق رؤية تنموية متكاملة تنطلق من مكانتها الاستراتيجية، وتستثمر موقعها كبوابة غربية للسلطنة، ومركز للتجارة والنقل والخدمات، بما يجعل مشاريع الطرق وسيلة لتعزيز الاقتصاد، لا مجرد مسارات للعبور.
ويبقى الهدف الأسمى أن تكون كل المشاريع التنموية، مهما كان حجمها، جزءًا من رؤية وطنية تحقق التنمية المستدامة، وتعزز تنافسية المحافظات، وتضمن أفضل استثمار للموارد، بما يخدم حاضر عُمان ومستقبلها.
