د. صالح الفهدي
مصطلح "اصطياد الرؤوس" (Headhunting) قديم في علم الإدارة، ظهر في البيئات المهنية الغربية في منتصف القرن العشرين، ويقصد به البحث المباشر عن أصحاب الكفاءات المتميزة وإقناعهم -أو إغراؤهم- بالانتقال من وظائفهم الحالية إلى جهة أخرى، بدلًا من انتظارهم إن كانوا سيتقدمون بطلبات توظيف أم لا.
ومع أن المصطلح قديم، ويعود إلى ما يقارب السبعين عامًا، إلا أن الجميع بحاجة إليه اليوم، ولذلك يتخصَّص البعض في "اصطياد الرؤوس"، وتوكَل إليهم من الشركات والمؤسسات مهمة البحث عن أصحاب الكفاءات الذين يملكون القدرات المتميزة، والمهارات المطلوبة لأداء وظيفةٍ من الوظائف.
وحيث إن الرؤوس التي ترمز إلى العقل والخبرة والقدرات القيادية موجودة بين بني البشر، فهي بحاجة إلى "اصطيادها" قبل أن يصطادها الآخرون، إذ لا شك بأن استقطاب هذه "الرؤوس" يضيف قيمة عالية، فالأمر لا يتعلق بمجرد توظيف، بل إن ذلك يعدُّ جزءًا لا يتجزأ من الفكر القيادي الذي يعمل على إدارة المواهب.
هكذا تخصَّصت بعض المواقع لعرض أصحاب الكفاءات المتميزة، التي يصطاد منها المتخصصون ما يناسب وكلاءهم من كفاءات وقدرات، ومع ذلك فنحن بحاجة إلى مركز على مستوى حكومي لاصطياد الرؤوس، ورعاية أصحاب الكفاءات، ومتابعة كل من تظهر عليه السمات القيادية، ليكون تحت المجهر، ثم الرعاية والعناية، وبعد ذلك وضعه في المكانة المناسبة له.
إن اصطياد الرؤوس لا يقتصر على عالم الأعمال، بل أصبح ظاهرة عالمية في الاقتصاد والرياضة والفنون والتقنية والبحث العلمي؛ ففي عالم الاقتصاد والأعمال يُستقطب الرؤساء التنفيذيون اللامعون حينما ترغب شركة أو مؤسسة ما في إحداث تغيير أو تحسين أداء، فإنها تبحث عن رئيس تنفيذي له سجل حافل من الإنجازات في شركات منافسة، وفي عالم الرياضة يُستقطب اللاعبون أصحاب المهارات العالية ليضيفوا قيمة إلى النادي الذي يضمهم، وهذا ما يحدث مع أشهر اللاعبين في العالم، وفي عالم الفن والإعلام يُصطاد أصحاب المواهب حتى من الشارع، وكمثال على ذلك أتذكر أحد المتسوِّلين من أصحاب الأصوات المتميزة، اصطاده مخرج سينمائي فأصبح صاحب صوت بارز يصاحب الأفلام السينمائية.
حدَّثني أخي، وهو مدرب وإعلامي رياضي، بأن اثنين من المعلقين في إحدى الحارات العُمانية لفتا نظره أثناء تعليقهما على بطولات محلية داخل تلك المناطق، فدفع بهما إلى الظهور على قنوات رسمية، وسرعان ما اختارتهما مجموعة إعلامية رياضية ليكونا ضمن طاقم المعلِّقين البارزين فيها.
في عالم الطب يُستقطب الأطباء الماهرون، وكذلك في عالم التعليم والتدريب وغيرها من الجوانب، إذ تُقدَّم لهم العروض الجاذبة من أجل الاستفادة من قدراتهم. ولهذا يُقال: "إن المؤسسة لا تُبنى بالمباني والآلات، وإنما تُبنى بالعقول القادرة على تحويل الموارد إلى إنجازات".
إن البعض من أصحاب الكفاءات لا يحسن تسويق نفسه، ولهذا فالدولة بحاجة إلى "اصطياد الرؤوس" بطرق مختلفة، كالمراكز الخاصة بالتوظيف، أو المخبرين السريين المرتبطين بأصحاب القرار. ولو أن أصحاب الكفاءات انتظروا من سيتواصل معهم، ولم يُبدِ الطرف الآخر، وهم أصحاب الحاجة، اهتمامًا بالبحث عن الكفاءات، لشُغلت الوظائف بغير الأكفاء.
إنني أحث على أهمية الاعتناء بـ"اصطياد الرؤوس" المتميزة، خاصة الوطنية، لأنها ثروة الوطن، بها تقوم أركانه، وينهض بنيانه، ويتقدم لتحقيق ما يسعى إليه من طموحات وآمال.
