مسعود أحمد بيت سعيد
Masoudahmed58@gmail.com
تشير استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى تراجع ملحوظ في شعبية بنيامين نتنياهو، مقابل صعود غادي آيزنكوت، رئيس هيئة الأركان العامة السابق ومُؤسس حزب "يشار" اليميني الوسطي، بوصفه أحد أبرز المرشحين لقيادة المرحلة المُقبلة. وقد ناقشت الصحافة الإسرائيلية هذه الاحتمالات، وملامح إسرائيل ما بعد نتنياهو، والأسئلة التي ينبغي طرحها والإجابة عنها في المرحلة القادمة. وما نقصده من هذه الإشارة يتمثل في نقطتين:
الأولى، إذا كان المجتمع الإسرائيلي، رغم المكانة التي يتمتع بها نتنياهو لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين، والتي دفعت كثيرين إلى اعتباره أحد أبرز القادة الذين عززوا مكانة إسرائيل منذ عهد ديفيد بن غوريون، لا يتردد في مساءلته سياسيًا، بل ويستعد لإقصائه عبر صناديق الاقتراع، فإنَّ ذلك لا يرتبط بشخصه بقدر ما يعكس طبيعة النظام السياسي والمؤسساتي، والنواظم الاستراتيجية التي تحكم عمل المؤسسات الإسرائيلية؛ إذ يفصل بوضوح بين الدولة والأشخاص، ويقدم استمرارية المُؤسسات على بقاء الأفراد. وهنا يكمن أحد عناصر قوة هذا النظام وحيويته؛ فالدولة، وفق هذا التصور، ليست رهينة الأشخاص، بل هي مشروع سياسي قابل للتجدد والاستمرار. ومن ثم، يُنظر إلى الأحزاب والقادة باعتبارهم أدوات لخدمة المشروع الصهيوني، لا غاية في ذاتهم. وقد أسهم هذا المنطق في تمكين المؤسسات الإسرائيلية من التكيف مع المتغيرات والحفاظ على استمراريتها، رغم كونها مؤسسات استعمارية استيطانية وعُنصرية، كان من المفترض أن تستنفر طاقات الشعب الفلسطيني، والأمة العربية، وكل قوى التحرر والديمقراطية في العالم، لمُواجهتها وعزلها. ولعلَّ جوهر المسألة يكمن في وجود بنى سياسية وثقافية تجعل الفرد، مهما بلغت إنجازاته أو درجة إخلاصه، خاضعًا للمساءلة والتغيير، بما يحول دون تغول إرادته الشخصية على المؤسسة، أو تحول الدولة إلى رهينة لرغبات الفرد أو الطبقة ونزعاتهما. وهذه السمة، على الرغم من ارتباطها بكيان استعماري إجلائي عنصري، تمثل أحد أسرار فاعلية مؤسساته واستمرارها.
أما النقطة الثانية، فتقود إلى المقارنة مع الواقع العربي، حيث تتحول السلطة إلى امتياز دائم لا يترتب عليه حساب أو مُساءلة. ومن هنا يغدو الفساد والمحسوبية وقمع الحريات أسبابًا دائمة للإحباط الداخلي والهزائم المتكررة، من دون أن يستدعي ذلك مراجعة نقدية أو محاسبة سياسية. فمن يصل إلى السلطة، بغض النظر عن الكيفية التي وصل بها، يتحول إلى غاية في ذاته، ويُصبح تداول السلطة سلميًا وديمقراطيًا أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. ولعل السبب يرجع، في جانب كبير منه، إضافة إلى القمع الذي تمارسه القوى الاجتماعية والسياسية المتنفذة، إلى أنماط ثقافية متجذرة في قاع الوعي الاجتماعي في معظم المجتمعات العربية، حيث لا تزال قيم الولاء الشخصي وتقديس السلطة تتقدم على قيم المواطنة والحقوق والمؤسسات.
لذلك، فإنَّ السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجماهير بعد كل الهزائم والانتكاسات، لا يقتصر على متابعة المشهد السياسي الإسرائيلي، على أهميته وضرورة فهم تناقضاته واستثمارها، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر إلحاحًا: متى تصبح المحاسبة السياسية قيمة راسخة في عالمنا العربي؟ فالمساءلة ليست ترفًا سياسيًا، ولا وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات بالمعنى الشخصي أو الفئوي، بل هي أحد أهم معايير نضج المجتمعات وقدرتها على تصحيح أخطائها، بصرف النظر عن هوية الحاكم أو طبيعة النظام السياسي. فالمجتمع الذي يفتقر إلى التعددية الفكرية والسياسية والحرية الداخلية، ولا يمتلك آليات الرقابة والمحاسبة والتجديد، يعجز عن تعبئة طاقاته وتوظيف إمكاناته، سواء في أوقات السلم والبناء، أم في أوقات الحرب ومتطلباتها.
ومن ثم، لا ينبغي أن يقتصر الاهتمام على متابعة التحولات السياسية في الطرف النقيض، إذا سلمنا بأنَّ الكيان الصهيوني، في ضوء الممارسة الرسمية الراهنة، ما يزال كذلك، بل يجب أن يمتد إلى مراجعة الواقع السياسي، وطرح الأسئلة المؤجلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة وآليات تداول السلطة، بما يضمن حرية الرأي والتعبير والتنظيم، بوصفها المدخل الحقيقي لإعادة بناء الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، واستنهاض عوامل القوة، بحيث تكون السلطة خاضعة للمساءلة أمام الشعب، لا أن يكون الشعب هو الخاضع للمساءلة أمام السلطة وخياراتها البائسة.
