الدبلوماسية تحت النيران: مسقط في عين العاصفة ومعضلة "السلطة المزدوجة" الإيرانية

 

 

مرتضى بن حسن بن علي

يمثل استهداف مواقع في محافظة مسندم والوسطى بواسطة طائرات مسيّرة إيرانية صدمة غير مسبوقة في مسار العلاقات العمانية الإيرانية. فسلطنة عُمان، التي طالما عُرفت بـ"سويسرا الشرق الأوسط"، ولعبت تاريخيًا دور الوسيط الهادئ والجسد الدبلوماسي الذي يربط طهران بالغرب وبقية العواصم الخليجية، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة مباشرة.

معضلة مسقط: اختبار الحياد التاريخي

استدعاء وزارة الخارجية العُمانية للسفير الإيراني في مسقط، وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، ليس إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل هو نقطة تحول استراتيجية تنطوي على دلالات عميقة؛ فهذا الإجراء يبعث برسالة واضحة ومباشرة بأن أمن السيادة العُمانية وسلامة أراضيها خط أحمر لا يمكن التغاضي عنه تحت أي مبرر سياسي أو إقليمي. كما يعكس هذا الاحتجاج الرسمي حجم الإحباط الكبير الذي أصاب صانع القرار في مسقط، خصوصًا وأن هذا الاستهداف العسكري جاء بعد ساعات قليلة من احتضان السلطنة لمباحثات رفيعة المستوى سعيًا إلى تأمين مضيق هرمز.

وفي نهاية المطاف، يضع هذا التطور الدبلوماسية العُمانية أمام اختبار معقد وشديد الحساسية، حيث باتت مجبرة على الموازنة بدقة بين الحفاظ على علاقتها التاريخية مع طهران، وبين مواجهة الضغوط الأمنية المتزايدة من القوى الدولية، وحماية مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية في الدقم ومسندم.

مستقبل العلاقات العُمانية الإيرانية لن يعود كالسابق؛ فرغم أن مسقط قد تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة لمنع الانفجار الشامل، إلا أن "ثقة الوسيط" قد اهتزت، وتحول المنظور العُماني تجاه إيران من "جار يمكن التفاهم معه" إلى "مصدر تهديد مباشر للأمن القومي".

تفكيك لغز التصرف الإيراني: نموذج "السلطة المزدوجة"

ما حدث يفسر بشكل دقيق الطابع الهيكلي المعقد للنظام السياسي الإيراني، والذي يُعرف علميًا وسياسيًا بنموذج "الثنائية الهيكلية" أو "السلطة المزدوجة". هذا النموذج يوضح الفجوة بين مؤسستين:

  • المؤسسات الدستورية (المنتخبة/الدبلوماسية): وتمثلها الحكومة ووزارة الخارجية (مثل الوفد الذي كان يتفاوض في مسقط للوصول إلى تهدئة وتأمين ممرات آمنة).

• المؤسسات الثورية (المعيّنة/العسكرية): ويقودها الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، الذي يمتلك أجندته الخاصة وصلاحيات عسكرية مستقلة لا تخضع بالضرورة لسلطة الحكومة التنفيذية.

قراءة في السلوك الإيراني

عندما تقصف المسيّرات الإيرانية الوسطى ومسندم، في الوقت نفسه الذي يجلس فيه وزير الخارجية الإيراني مع نظيره العُماني، فإن ذلك لا يعكس بالضرورة "مناورة منسقة"، بل يعكس تغوّل المؤسسة الثورية العسكرية وتجاوزها للمؤسسة الدبلوماسية. الحرس الثوري يرى أن الحسم الميداني وفرض الترتيبات بالقوة له الأولوية القصوى، حتى لو كان الثمن حرق الجسور مع "آخر أصدقاء طهران في الخليج".

الأكثر قراءة

z