السيادة خط أحمر

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

يخبرنا التاريخ أن أصعب امتحان للدول ليس أن تنتصر في الحروب، بل أن تنجح في تجنبها. فالدول التي تتوسط مناطق الصراع لا تواجه عدوًا واحدًا، بل تجد نفسها بين ضغوط متعارضة. حليفًا يطلب منها ما يخدم مصالحه، وصديقًا يغضب لأنها لم تمنحه الموقف الذي يتمناه.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود القرار السياسي مجرد إعلان موقف، بل يصبح اختبارًا حقيقيًا للسيادة، وموازنة دقيقة بين المبادئ والمصالح، وبين حماية الوطن واحتواء التصعيد.

وعندما تشتعل الحروب، لا تكون الجيوش وحدها في ميدان المواجهة، بل تدخل الدول أيضًا في اختبار صعب بين ما تؤمن به وما تستطيع فعله، وبين ما تريده وما يُفرض عليها. وهنا تصبح المحافظة على السيادة أصعب من إطلاق الشعارات؛ لأن القرار لا يُبنى على العاطفة وحدها، بل على حسابات دقيقة تتعلق بأمن الوطن ومستقبله.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم النهج العُماني الذي حافظت عليه سلطنة عُمان منذ بداية التصعيد في المنطقة. فقد استمرت في الدعوة إلى الحوار، ورفض اتساع دائرة الحرب، والسعي إلى الحلول السياسية. وهو موقف لم يكن وليد الأزمة، بل امتدادًا لسياسة عُمانية عُرفت بالاتزان وبناء الجسور وإبعاد المنطقة عن مزيد من الصراعات.

لكن الحفاظ على هذا النهج لم يكن أمرًا سهلًا. فمع اتساع رقعة المواجهة، اشتدت الضغوط، وضاقت خيارات الحركة، وأصبحت كل خطوة تُفسَّر على أنها انحياز، وكل موقف يُقرأ من زاوية مصالح المتخاصمين، لا من زاوية مصلحة عُمان.

وهنا تظهر المعضلة الحقيقية في عالم السياسة. فالسياسة ليست دائمًا اختيارًا بين الصواب والخطأ، بل كثيرًا ما تكون اختيارًا بين خيارات كلها مُرّة. وتسعى الدول في مثل هذه الظروف إلى اختيار ما يحقق أقل قدر من الضرر على أمنها واستقرارها وقدرتها على حماية قرارها الوطني.

ومن حيث المبدأ، فإن أي عدوان يقع خارج إطار القانون الدولي لا يمكن تبريره؛ لأن الحروب لا تصنع أمنًا دائمًا، بل تفتح أبوابًا جديدة للفوضى وعدم الاستقرار. غير أن هذا الموقف لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن سيادة الدول يجب أن تبقى فوق الحسابات والاصطفافات.

ولهذا، فإن سيادة عُمان تظل خطًا أحمر. فأرضها وبحرها وأجواؤها ليست ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، ولا لتصفية الحسابات، مهما كانت المبررات، ومهما كانت طبيعة العلاقات بين الدول.

وقد نتفق مع دولة في موقف، ونختلف معها في موقف آخر، لكن احترام سيادة الدول يجب أن يبقى مبدأً ثابتًا لا يخضع للمصالح الآنية، ولا يتغير بتغير التحالفات.

ولا أظن أن أحدًا يملك الإجابة عن سؤال يطرحه كثيرون اليوم: هل كانت بعض الخطوات التي اتخذتها عُمان تعبيرًا عن قناعة سياسية، أم محاولة لتجنيب الوطن ضغوطًا ومخاطر أكبر في ظرف إقليمي شديد التعقيد؟ فصناعة القرار ليست متاحة للرأي العام، وما يصل إلينا لا يمثل إلا جزءًا من الصورة. أما من يجلس خلف طاولة الدولة، فيرى من المعطيات ما لا يراه من يقف خارجها.

فالدول الكبرى تدير صراعاتها وفق ميزان القوة، بينما تجد الدول التي تنشد السلام نفسها أحيانًا تحت ضغط قد يجعلها تدفع ثمن محاولتها أن تجنب المنطقة ويلات الحروب الشاملة.

ولعل ما يميز السياسة العُمانية أنها حرصت عبر عقود على أن تُبقي جسور التواصل قائمة مع مختلف الأطراف. فلم تجعل صداقتها مع طرف سببًا في خصومة مع آخر، ولم تسمح لاختلاف المواقف أن يقطع خيوط الحوار. وربما كان هذا النهج هو ما منح عُمان مساحة للتحرك في أكثر الملفات تعقيدًا، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو عن سيادتها الوطنية.

ولهذا، فإن الدفاع عن سيادة عُمان لا يتعارض مع رفض العدوان على أي دولة، كما أن رفض العدوان لا يعني القبول بالمساس بسيادة عُمان. فالمبدآن لا يتناقضان، بل يكتمل أحدهما بالآخر.

فالأوطان لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بالحكمة، وبالقدرة على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر، مع التمسك بالثوابت التي لا يجوز التفريط بها.

فالسيادة لا تُقاس بحجم الدول، بل بقدرتها على صون قرارها الوطني. واحترام سيادة الأوطان هو أول طريق لاحترام الأمن والاستقرار في المنطقة كلها.

وهي المبادئ ذاتها التي أكد عليها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق -وفّقه الله- عندما بيّن: "أن السياسة الخارجية العُمانية تقوم على التعايش السلمي بين الأمم والشعوب، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، واحترام سيادة الدول".

وهكذا تبقى السيادة بالنسبة لعُمان ليست مجرد شعار يُرفع في أوقات الأزمات، بل مبدأ راسخًا تُبنى عليه المواقف، وتُصان به المصالح، ويُحفظ به أمن الوطن واستقراره.

الأكثر قراءة

z