حمد الناصري
شهدت الجغرافيا السياسية لمضيق هرمز منعطفاً استثنائياً مع بروز تحركات ومقترحات دولية وإقليمية لتفعيل مسارات بحرية جديدة وإدارة الملاحة عبر ممرات مُنفصلة، كبدائل قانونية للملاحة الدولية، لا سيما "المسار الجنوبي" المحاذي للسواحل العُمانية وهذا التحوّل يُعيد إلى الواجهة نقاشاً قانونياً وتاريخياً قديماً متجدداً حول طبيعة السيادة على هذا الشريان العالمي، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تملك إيران حق الاعتراض على مسارات ملاحية تُجيزها المنظمات الدولية وتقع ضِمن النطاق الجغرافي لسلطنة عُمان؟
من يقرأ التاريخ بدقة يُدرك أن "رأس مسندم" والمضيق الذي يحمل اسم "هرمز" هو فضاء عُماني بامتياز، أرضاً وتاريخاً وعمقاً ولأن مسندم والمضيق يتكاملان جغرافياً ولا يتناقضان، والسيادة العُمانية على الممرات الحيوية ليست وليدة الصُدفة، بل هي امتداد لإرث بحري عريق. وتاريخياً، تذكّرنا هذه الاكتشافات والمسارات البديلة بحقبة الاكتشافات الجغرافية الكبرى كـ "رأس الرجاء الصالح"؛ فرغم أنّ البرتغاليين سجلوا الاكتشاف باسمهم، إلا أن الحقيقة التاريخية تؤكد أنّ البحار العُماني الأسطوري أحمد بن ماجد هو من امتلك المعرفة والريادة البحرية، وهو من أرشد البحارة بكتاباته وخبرته لكيفية بلوغ رأس الصخرة، الذي عُرف لاحقاً برأس الرجاء الصالح؛ لأن الالتفاف حول رأس الصخرة يُجنب السفن والبحارة العواصف التي لا تتوقف في تلك المنطقة وما بعدها مباشرة.
واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ فعندما تبحث المنظومة الدولية عن مسارات جديدة وآمنة بعيداً عن خطوط التوتر والاعتراضات الإيرانية، فإنها تعود إلى الحضن الجغرافي العُماني الآمن والمستقر. ووفقاً للقانون الدولي البحري، ومعادلة الجغرافيا، فإنّ إيجاد بدائل ملاحية وإقرارها من قِبل المنظمة البحرية الدولية (IMO) يُعد حقاً مشروعاً للدول المشاطئة وللمجتمع الدولي لضمان تدفق التجارة العالمية. وبما أن هذه المسارات الجديدة تدخل في الإطار القانوني الدولي، فإنه لا حق لإيران في الاعتراض عليها؛ طالما أنّ السفن تبحر في ممرات دولية أو مياه إقليمية تخضع لإشراف دول مجلس التعاون وسَلطنة عُمان.
إنّ محاولات فرض الهيمنة المنفردة على المضيق تتنافى مع الواقع الجيوسياسي. فالأصل هو أن تشترك إيران في منظومة أمنية خليجية جماعية، تُقَسّم فيها الأدوار الجغرافية والأمنية والبحريّة بناءً على مبدأ التشارك وليس فرض الإرادة. ولكن، إذا استمرت العرقلة، فإن وجود البديل القانوني يسقط أي ذريعة للاعتراض.
وفي هذا السياق، يبرز طرح منطقي وقانوني قوي يتمثل في أن فرض رسوم خدمات أمنية وبيئية وإصلاحية ـ وليست رسوم عبور بالمعنى التقليدي المرفوض دولياً ـ هو حق مشروع تماماً للبلد الذي يُشرف على المضيق ويوفر الأمن والحماية البيئية للسفن العابرة. وسلطنة عُمان تحمل على عاتقها تكاليف باهظة لتأمين الملاحة، ومُكافحة التلوث البيئي، وتقديم خدمات الإرشاد والإصلاح البحري. بناءً على ذلك، فإنّ تحصيل رسوم مقابل هذه الخدمات الحيوية يُعزز من كفاءة الممر المائي وسلامته، وهو حق سيادي يكفله المنطق والقانون للدولة التي تحمي الشريان بمسؤولية وحكمة.
خُلاصة القول.. يبقى مضيق هرمز برأسه المُسندمي شامخاً وشاهداً على أن الجغرافيا لا يمكن تزويرها والمسارات الجديدة هي حقّ مشروع للاستقرار العالمي، والسيادة العُمانية هي صَمّام الأمان الحقيقي الذي يحمي هذا الممر التاريخي من العواصف السياسية، تماماً كما حمَتْ خبرة ابن ماجد السفن قديماً من عواصف البحار العميقة.
