ريتّا دار
في الماضي، كانت لديَّ مشكلة حقيقية مع الرسائل التي لا يرد عليها أحد. بعد ثلاث دقائق من إرسال الرسالة، كنت أفترض أن الشخص مشغول.
بعد ساعة، أقول في نفسي: "لربما نسي".
أما إذا مرّت ثلاث ساعات كاملة.. فهنا تبدأ الكارثة.
أعود إلى الرسالة وأقرؤها من جديد، باحثةً عن جملة قد تكون أنهت علاقتنا إلى الأبد.
أحذف كلمة في رأسي، وأستبدل أخرى، وأقتنع أن استخدامي لعلامة التعجب كان مبالغًا فيه، وأنه ربما ظن أنني غاضبة، أو يائسة، أو أنني كتبت الرسالة تحت تأثير ثلاثة فناجين قهوة متتالية.
ثم أكتشف أنني استخدمت كلمة "طبعًا".
ومن منا لا يعرف خطورة كلمة "طبعًا" عندما تُقرأ بنبرة مختلفة؟
باختصار.. لا أصل إلى أي نتيجة، لكنني أصل إلى سبعة وثلاثين سيناريو مختلفًا، جميعها تنتهي بأنني السبب في انهيار التواصل الإنساني.
لهذا، لم أفهم رواية (صاحب الظل الطويل) عندما قرأتها للمرة الأولى.
أكثر ما حيّرني كان الرسائل. كيف يمكن لجودي أبوت أن تستمر في كتابة الرسائل إلى شخص لا تعرفه؟
شخص لا تعرف شكله، ولا صوته، ولا إن كان يقرأ رسائلها أصلًا.
وأنا، في ذلك الوقت، كنت مقتنعة أن الإنسان الطبيعي يحتاج إلى شيء بسيط جدًا ليستمر في الكتابة.. شخص يرد، ولو بكلمة، ولو حتى بعلامة ترقيم.
أما أن تكتب عشرات الرسائل، وتستمر عامًا بعد عام، من دون أن ترى الطرف الآخر، فهذا، بالنسبة لي، كان تصرفًا لا يفعله إلا أبطال الروايات الخيالية.
ثم أصبحت أكتب.
وللمفارقة.. اكتشفت أنني أفعل الشيء نفسه تمامًا.
أجلس كل أسبوع أمام شاشة بيضاء، وأبدأ بكتابة مقال يقرؤه مئات، وربما آلاف الأشخاص، الذين لا أعرف عنهم شيئًا.
لا أعرف أين يجلسون الآن، ولا ماذا كانوا يفعلون قبل أن يصادفوا مقالي، ولا إن كانوا يشربون القهوة أم الشاي.
ولا إن كانوا يقرؤونه في العمل، أو قبل النوم، أو في صالة الانتظار عند طبيب الأسنان، وهي، بالمناسبة، أكثر الأماكن التي تجعل الإنسان مستعدًا لقراءة أي شيء، حتى تعليمات استعمال سائل غسيل الأطباق.
ولا أعرف إن كانوا أكملوا القراءة أصلًا.
ومن كثرة الفضول، أصبحت أؤلف حياة كاملة للقارئ المجهول.
أتخيل أن أحدهم بدأ قراءة المقال بكل حماس، ثم رن جرس الفرن، فتركه ليكمل الطبخ، ولم يعد إليه حتى اليوم. وقارئي هذا له عذر جيد.. فعشاؤه أهم من آرائي في الحياة.
وأتخيل آخر وصل إلى منتصف المقال، ثم تذكر أنه دخل إلى الموقع أصلًا ليبحث عن نتيجة مباراة، فاكتشف بعد عشر دقائق أنه يقرأ عن الحيرة، أو الطوابير، أو فوضى حياتي، ولا يعرف كيف انتهى به الأمر هنا.
وأتخيل شخصًا ثالثًا يقرأ من هاتفه، ثم يقلب الصفحة بإصبعه من دون قصد، فيقضي الدقائق التالية يحاول أن يتذكر أين توقفت عيناه، ثم يقرر في النهاية أن القدر لا يريد له أن يعرف الخاتمة.
بل إنني أحيانًا أتخيل قارئًا متحمسًا يقرأ المقال كاملًا، ويهز رأسه موافقًا بعد كل فقرة، ثم يصل إلى النهاية ويقول: "كلامها جميل.. ولكن أعتقد أنها مجنونة"، ويغلق الصفحة.
سأعترف لكم.. هذا صحيح، الكاتب يقضي وقتًا طويلًا وهو يتخيل قراءه. وأظن أن القراء أيضًا يتخيلون الكاتب، ولكن غالبًا بطريقة لا تشبهه إطلاقًا.
ربما يتصور أحدهم أنني أكتب مقالاتي في شرفة هادئة، يحتضنني الصمت، وإلى جواري فنجان قهوة، بينما تمر نسمة لطيفة تحرك الستائر، وعصفور يغرد على الشجرة المقابلة.
أما الحقيقة.. فأنا حذفت الفقرة السابقة خمس مرات؛ لأنني لم أقتنع بفاصلة، محاولةً، في الوقت نفسه، أن أتذكر أين وضعت هاتفي، ولماذا دخلت المطبخ أصلًا، وهل الغسالة انتهت من عملها، وما سر الصوت الذي سمعته من منزل الجيران.
وفي كثير من الأحيان، أقوم بإعادة كتابة بعض الفقرات في سيارة الأجرة، وعلى أنغام ضجيج زحام المدينة.
وفي كل مرة يحدث ذلك، أتذكر أن الطرف الآخر لا يرى شيئًا من هذه الفوضى الأنيقة، بل تصله الكلمات فقط. وربما لهذا السبب أعتبر أن العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة خاصة.. وغريبة جدًا.
فالكاتب يعرف عن القارئ أقل مما يعرفه عن بائع الخبز في منطقته، ورغم ذلك يكتب له أشياء قد لا يقولها لبعض أقرب أصدقائه.
أما القارئ، فقد يعرف عن الكاتب أكثر مما أراد الإفصاح عنه.
يعرف طريقته في التفكير، وأسلوبه في السخرية، ويبدأ أحيانًا بتوقع نهاية المقال قبل أن يصل إليها.
وبينما يبقى القارئ غامضًا، مجرد اسم، أو صورة شخصية لغروب شمس، أو لاعب كرة قدم، أو وردة بنفسجية لا تدل على شيء، يتحول الكاتب إلى كتاب مفتوح يفضح نفسه فيه صفحة بعد صفحة.
ولهذا، عدت بعد سنوات إلى (صاحب الظل الطويل)، وفهمت شيئًا لم أفهمه في القراءات السابقة.
لم تكن جودي تكتب لأنها تنتظر جوابًا، بل لأن الكتابة نفسها كانت عملًا ثوريًا أعمق من أي إجابة:
لقد احتجت سنوات، والكثير من المقالات، حتى أفهم هذا.
ولهذا، بدأت أفكر أن أغرب شيء في الكتابة ليس أنها تصل إلى أشخاص لا نعرفهم، بل أنها تبقى لديهم أيضًا.
فقد أنتهي من كتابة مقال، وأنشره، ثم أعود إلى حياتي كأن شيئًا لم يحدث.
بينما، في اللحظة نفسها، تكون كلماتي قد طارت وبدأت حياة أخرى في مكان لا أعرفه.
قد تكون على شاشة هاتف في حافلة مزدحمة، أو على طاولة مقهى، أو بين يدي شخص يقرؤها على عجل قبل أن يبدأ اجتماعه.
ثم ينتهي يومي، وينتهي يومه، وينسى كلٌّ منا الآخر.
إلا جملة واحدة.
جملة ترفض، لسبب لا يعرفه أحد، أن ترحل.
تبقى عالقة في ذهنه، وتعود إليه بعد أيام، أو بعد أشهر، أو في موقف يشبهها تمامًا
وربما، في اللحظة التي يتذكرها فيها، أكون أنا قد نسيت أنني كتبتها أصلًا.
وهذه، في رأيي، أغرب الحيل التي تجيدها الكتابة، وأكثرها تأثيرًا.
نحن نحب أن ننسب التغيير إلى الأحداث الكبيرة.
إلى القرارات المصيرية، والخطب الرنانة، واللحظات التي تبدو وكأن الموسيقى التصويرية تعمل في الخلفية.
لكنها، في الحقيقة، نادرًا ما تفعل ذلك.
ففي أحيان كثيرة، يبدأ كل شيء بجملة.
كجملة عابرة قالتها معلمتي في الصف الرابع.
أو كلمة "رأيك يهمني" التي قالها صديق في مكالمة قصيرة.
أو كاتب نشر مقالًا منذ سنوات، وهو يظن أنه انتهى من عمله، بينما كانت إحدى كلماته قد بدأت رحلتها في ذاكرة شخص لا يعرفه.
ربما لهذا السبب، عندما أفكر في الأشخاص الذين تركوا أثرًا في حياتي، أتذكر أشخاصًا زرعوا في رأسي -أو في قلبي- أفكارًا جميلة ما زالت دافئة حتى اليوم.
وعندما أكتب الآن، يكفيني احتمال صغير جدًا.. أن تنجو جملة واحدة من هذا المقال، وتصل إلى شخص يحتاجها تمامًا في اللحظة المناسبة.
ففكرة أن كلمة صغيرة، أو رسالة، أو كتابًا، يمكن أن يعيش داخل شخص آخر أكثر مما عاش في صاحبه، تجعلني أحب الكتابة أكثر مما أحببتها يومًا.
وإذا حدث ذلك.. فربما سأكون، دون أن أدري، صاحبة ظل طويل، في قصة لا أعرف عنها شيئًا.
