الجريمة بأنواعها في عقر دارك

 

 

د. محمود البلوشي

الجريمة لن تنتهي أبدًا، بل إنها في ازدياد ملحوظ، فأينما وجد الإنسان وجدت معه الجريمة، وهذا ما أكدته الأديان وأقرته الفلسفات. وتعد قصة قابيل وهابيل، ابني آدم عليه السلام، أول جريمة قتل في تاريخ البشرية. والجريمة ظاهرة اجتماعية ارتبطت في طبيعتها وحجمها بالتحولات المختلفة، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، الوطنية منها والدولية.

ومن التحولات الجذرية التي شهدها عصرنا الحالي، والتي ساهمت وبطريقة قياسية في ارتقاء البشرية إلى مستويات عليا، وما ساهم أيضًا في ارتفاع معدل الجريمة، ما يعرف باسم (الثورة المعلوماتية)، وهي الثورة التي تزاوجت فيها شبكات الاتصال، بما وصلت إليه من تطور، مع الهاتف والحاسوب، ذلك الجهاز الذي يمتلك قدرات هائلة للقيام بالعديد من الوظائف في ظرف وزمن قياسي.

كل هذا التمازج مكن البشرية من التواصل بعضهم مع بعض في ثانية، من مشارق الأرض إلى مغاربها، كما أتاح لهم فرصًا عديدة للفرد أو للشركات بعقد عدة صفقات خلال ساعات في ظل بيئة افتراضية رقمية، غير أنه، في المقابل، أنتجت هذه الثورة أنماطًا جديدة من الجرائم المستحدثة، وهي جرائم معلوماتية وإلكترونية، وهي جرائم تمس قيمًا وأخلاقًا جوهرية للفرد، وجرائم تمس العرض والشرف، وجرائم المخدرات. وما أحب إضافته في جرائم المخدرات في سلطنة عُمان تحديدًا، بأن المخدرات الآن تصل إلى منزلك وبطلب من المروج، ناهيك عن جرائم الابتزاز والسلب والتهديد والعملات الرقمية والشراء الإلكتروني. مجموعة من هذه الجرائم تُدار، وللأسف، ورب الأسرة في سبات ونوم عميق.

والجريمة كل فعل أو امتناع عن فعل يجرمه القانون ويقرر له عقوبة، لما يترتب عليه من اعتداء على حقوق الأفراد أو أمن المجتمع. واليد الفارغة أداة في يد الشيطان. فالجريمة في عصرنا الحالي قنبلة موقوتة في المنزل.

أما عن الأسرة العربية قبل الثورة المعلوماتية وقبل أواخر القرن العشرين، فاتسمت بالترابط الوثيق والتفاعل المباشر، واعتمدت على اللقاءات والحوار المتبادل والأحاديث وحسن العشرة بين الجيران، وكانت الحوارات وجهًا لوجه هي الأساس، مما عزز من مهارات التواصل الاجتماعي وبناء الشخصية. كما أن غياب الشاشات والأجهزة الذكية أتاح للعائلة قضاء أوقات أطول معًا في الأنشطة المنزلية والترفيهية، وكان الأجداد والأقارب يشاركون بفعالية في التربية ونقل القيم والخبرات اليومية، وكان اللقاء غالبًا ما يتم في المساجد والسبلة العُمانية المفتوحة.

وكانت نسب الجرائم لا تُذكر، بل قد تكون منعدمة نهائيًا، وكان رب الأسرة يؤدي صلاة العشاء جماعة في المسجد، ثم يعود إلى بيته ويتناول وجبة العشاء مع كافة أبنائه، ويطمئن إلى وجودهم، ويغلق باب بيته وهو في راحة واطمئنان. أما اليوم، فالجريمة في كل غرفة من غرف البيت، ومن المحتمل أن يستيقظ رب الأسرة من نومه ويبحث عن ابنه أو ابنته، فيجدهم في مركز الشرطة. هذا هو واقع اليوم!!

زمان، وفي التسعينيات، لم نكن نسمع عن جرائم المخدرات، ولا عن جرائم القتل، ولا حتى الجرائم الإلكترونية والابتزاز والسب وغيرها، بسبب عدم وجود طفرة إلكترونية سابقًا.

ولكن أيضًا، للعلم، فإن الثورة التكنولوجية جاءت لخدمة البشرية، ونقلت العالم نقلة كبيرة، وأسهمت في الفائدة العامة للبشرية، سواء اجتماعيًا أو ثقافيًا أو اقتصاديًا أو طبيًا، وأصبح العالم يعيش في قرية وبوتقة صغيرة. فالتكنولوجيا أثرت في حياتنا اليومية، وخاصة في العصر الحديث، بدءًا من الهواتف الذكية والكمبيوترات وخدمات الإنترنت والذكاء الاصطناعي، فأصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا في البيت والعمل، وفي السيارة والطريق.

فلا نجعل من أخطائنا، وانهيار القيم الأخلاقية لدينا، وانعدام الوازع الديني، سببًا رئيسيًا لارتكاب الجريمة، ولنحفظ ماء وجهنا بما تعلمناه من ديننا الحنيف وتعاليمه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z