د. أحمد بن علي العمري
لطالما تغنّى من يدّعون المثالية في الغرب بأن السياسة يجب أن تكون بعيدة عن الرياضة، وأنه لا تأثير لها على المنافسات الرياضية مطلقًا، وأنه لا ينبغي الربط بين الرياضة والسياسة أو حتى المال.
لكن ما حدث في مونديال 2026 قلب كل التوقعات، وأخلّ بكل الموازين، وأظهر ازدواجية المعايير بشكل واضح أمام العالم، دون حياء أو استحياء.
فمنذ البداية ظهرت مشاكل التأشيرات الخاصة باللاعبين، ما أدى إلى وصول بعض المنتخبات في مواعيد متأخرة عن الجداول المحددة لها، وهو ما أثّر على برامج التدريبات والاستعدادات، ثم تبعت ذلك تعقيدات حصول الجماهير على التأشيرات.
وربما يقول البعض إن هذه إجراءات أمنية، ومن حق أي دولة أن تحافظ على أمنها، وهذا أمر مفهوم. لكن ما حدث في قضية المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون، بعد حصوله على بطاقة حمراء مباشرة في مباراة دور الـ32 أمام البوسنة والهرسك إثر تدخل عنيف على الكاحل، ثم إيقافه عن مباراة دور الـ16 أمام بلجيكا، كان هو النقطة التي كشفت - حسب وجهة نظر كثيرين - ما يجري خلف الكواليس، وأظهر أن السياسة والمال والنفوذ قد يكون لها تأثير في عالم الرياضة.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو، طالب خلاله بمراجعة القرار، معتبرًا أن التدخل لا يستحق البطاقة الحمراء، وهو ما صرّح به علنًا أمام وسائل الإعلام.
وفي خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، أعلن الفيفا - استنادًا إلى المادة 27 من قانون التأديب، وفق ما ذكره - إلغاء عقوبة الإيقاف مع وضع بالوغون تحت فترة اختبار لمدة عام بدلًا من ذلك، وهو ما اعتبره منتقدون تبريرًا غير مقنع.
وتُعد هذه المرة الأولى منذ عام 1962 التي يتم فيها التراجع عن إيقاف مرتبط ببطاقة حمراء في كأس العالم، ما أثار تساؤلات حول إمكانية إلغاء عقوبة بمكالمة هاتفية.
وفي ردود الفعل العالمية، أصدر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بيانًا وصف فيه القرار بأنه غير مسبوق وغير مفهوم وغير مبرر، معتبرًا أنه تجاوز للخطوط الحمراء، كما انتقد الاتحاد البلجيكي القرار، ووصفه بأنه مخالف للوائح.
وانتقد المدرب الألماني يورغن كلوب التدخل، معتبرًا أن من لا يملك معرفة كافية بكرة القدم يجب ألا يتدخل في قراراتها، كما أكد الرئيس السابق للفيفا جوزيف بلاتر ضرورة عدم تحويل كرة القدم إلى ساحة للنفوذ السياسي.
لكن من عدالة القدر أن المنتخب البلجيكي تمكن من الفوز على المنتخب الأمريكي وإخراجه من كأس العالم، لتنتهي تلك الضجة خلال 90 دقيقة، وكأن شيئًا لم يكن.
لقد قامت الدنيا ولم تقعد عندما أظهر قائد المنتخب المصري السابق محمد أبوتريكة تضامنه مع القضية الفلسطينية قبل عدة سنوات، فماذا يقول هؤلاء اليوم؟
إن الرئيس الأمريكي يردد دائمًا شعار "أمريكا أولًا"، فليفعل ما يراه مناسبًا داخل بلاده، ولكن ليس على حساب استقلال الرياضة العالمية أو على حساب الآخرين.
حتى مباراة مصر أمام الأرجنتين شعرتُ بأن هناك بعض القرارات التي مالت لمصلحة المنتخب الأرجنتيني، حيث أُلغي هدف صحيح لمصر، واحتُسب هدف للأرجنتين رغم وجود شكوك حول التسلل، كما أن ركلة الجزاء التي أهدرها ميسي لم تكن - من وجهة نظري - مستحقة.
وكذلك كان أداء المنتخب المغربي أمام فرنسا باهتًا وغير فعال، وشعرت في أكثر من مناسبة أن الحارس ياسين بونو كان يواجه المنتخب الفرنسي بأكمله بمفرده.
فما هذه الأمور التي تحدث في كأس العالم 2026؟ وهل تصر السياسة على إفساد اللعبة العالمية الأولى؟ إن ما يحدث يوضح - في نظر البعض - غياب العدالة في عالم الرياضة، وأن العدالة الحقيقية تبقى عدالة رب السماء والأرض.
نتمنى أن تبقى الرياضة نزيهة، بعيدة عن التأثيرات السياسية والمالية، حتى نستمتع بها جميعًا وبذوقها الرفيع وقيمتها السامية.
والله يحفظ الجميع.
