خالد بن خميس بن جمعة المويتي
قد تبين لنا بوضوح في المقال السابق ماهية المهدد الديموغرافي، وحقيقة النزيف الصامت الذي يهدد كثافتنا السكانية الخليجية؛ لذا تأتي الأمانة الصحفية، والمسؤولية الفكرية؛ لتدفعا بنا نحو الغوص في أسباب الداء ومواجهة الحقائق بشجاعة ودون مواربة.
إن الإعراض المتنامي وعزوف الشباب عن الزواج في مجتمعاتنا المعاصرة ليس مجرد زهد عابر في بناء الأسرة أو غياب للمسؤولية الفردية لديهم، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ لجملة من العقبات المادية والاجتماعية المتراكمة التي وضعت الحلال في مضيق صعب، وجعلت من الخطوة الأولى نحو الاستقرار السكني عبئًا ثقيلًا ينوء بحمله كاهل الشاب في مقتبل عمره المهني.
ومن هنا، فإنه يبرز السؤال الجوهري والتحدي الأكبر: كيف تحول الزواج من كونه فطرةً ميسرةً وسكنًا روحيًا إلى مشروع استثماري باهظ التكاليف، تتطلب المعايير المجتمعية الهشة لإنجاحه شروطًا تعجيزيةً تقهر إرادة الطامحين؟
إن المشرط التحليلي يضع يده أولًا على ظاهرة المغالاة الفاحشة في المهور، وما يصاحبها من طقوس استهلاكية ومظاهر تفاخرية أفرغت الزواج من مضمونه القيمي والأخلاقي النبيل. لقد تداخلت قيم الوجاهة الاجتماعية الزائفة مع متطلبات الزواج، فأصبحنا نرى شروطًا وقوائم لا تنتهي من تكاليف قاعات الأفراح الباذخة ومصاريف التجهيزات المبالغ فيها، التي تفرضها حمى المقارنات الاجتماعية والتصدر للوجاهة المصطنعة أحيانًا عبر المنصات الرقمية.
هذا الواقع المأزوم جعل الشاب الخليجي يقف حائرًا بين رغبته في العفاف والاستقرار وبين شبح الديون البنكية الخانقة التي سيُكبل بها مستقبله لسنوات طوال؛ وهو الأمر الذي يدفعه تلقائيًا وعقلانيًا إلى تأجيل الفكرة برمتها أو الإعراض عنها؛ خوفًا من السقوط في بئر العسر المالي والشقاء النفسي المبكر.
وبموازاة هذا الضغط الاجتماعي، تبرز التحديات الاقتصادية والهيكلية المتمثلة في صعوبة حصول الشباب على مصادر دخل مستقرة وكافية تعينهم على الإسراع في اتخاذ قرار الارتباط.
إن تضخم تكاليف المعيشة، وارتفاع أسعار العقارات والإيجارات السكنية بشكل قياسي في حواضرنا الخليجية، مع وجود تحديات في قنوات التوظيف ومستويات الأجور الابتدائية للخريجين، كلها كوابح موضوعيةٌ تمنع جيل الشباب من تحقيق الاستقلال المالي المبكر.
مع التأكيد على أننا لا يمكن لنا لوم شاب يعاني لتوفير حد الكفاف الوظيفي إذا ما تراجع خطوةً إلى الوراء أمام تكاليف بناء بيت جديد؛ مما يؤكد أن تمكين الشباب اقتصاديًا وتسهيل سبل نيل الرزق المستدام هما الحجر الأساس والشرط الحتمي لإعادة الحيوية للمنظومة الديموغرافية والأسرية في أوطاننا.
ولأن تشخيص الداء دون تقديم الدواء هو نوعٌ من العبث الفكري، فإننا نضع أمام النخب والمؤسسات السيادية حلولًا ناجعةً واضحة الأهداف وممكنة التطبيق؛ لترميم هذا التصدع.
يبدأ الحل الأول من إطلاق استراتيجية وطنية شاملة لتوسيع ودعم صناديق الزواج الحكومية والمجتمعية، بحيث لا تقتصر على تقديم منح مالية عابرة، بل تمتد لتقديم قروض سكنية ميسرة دون فوائد للمتزوجين حديثًا. ويتمثل الحل الثاني في تفعيل دور المجالس البلدية والأهلية؛ لتبني مبادرات "الأعراس الجماعية المدعومة"، ونشر ثقافة قاعات الأفراح المجانية التابعة لوزارات الشؤون الاجتماعية؛ لكسر احتكار المظاهر الباذخة.
أما الحل الثالث والأعمق، فيكمن في صياغة وعي ديني وإعلامي متجدد يقوده خطباء الجمعة والكتاب؛ لإعادة الاعتبار للقاعدة النبوية الخالدة بأن أعظم النساء بركةً أيسرهن مؤونةً، وتدريب المقبلين على الزواج ماليًا وإداريًا من خلال ورش عمل متخصصة في التخطيط الشخصي.
إن تيسير بناء الأسر وتفكيك عقبات الحلال أمام طاقات الشباب هو استثمارٌ استراتيجيٌ صرفٌ في مستقبل الأوطان وبقائها الديموغرافي الفاعل.
إن الجهود المخلصة الدؤوبة تعد منارات هدىً تشق ظلام الحيرة، وإن نهضتنا الخليجية الحديثة لا يمكن أن تكتمل صروحها العمرانية والتقنية ما لم تكن محميةً بحصون أسرية متماسكة يسهل على شبابنا بناؤها، ويسعد بظلالها الغامرة.
مع التأكيد على أن بداية الإصلاح الحقيقي تنبع من تكاتف الأسرة والحكومة والمجتمع؛ لتعبيد طريق الحلال؛ ليظل جيل الإنجاز قادرًا على العطاء المستمر، وتزدهر الأوطان، وتأمن المجتمعات في كل زمان ومكان.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
