خالد بن خميس بن جمعة المويتي
بعد أن تتبعنا في الجزأين السابقين أبعاد المهدد الديموغرافي، وعوائق التمكين الاقتصادي أمام الشباب، نصل اليوم إلى المحطة الأكثر حساسية، وعمقًا في قضيتنا؛ وهي تفشي ظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا الخليجية، وذلك لأسباب تكاد، في كثير من الأحيان، توصف بالتافهة والسطحية.
إن المتابع لواقع المحاكم يلحظ، بأسف شديد، أن الميثاق الغليظ، الذي أقامه الله على السكن، والمودة، والرحمة، قد أصبح ينفرط سريعًا أمام أول عقبة عابرة، أو سوء تفاهم بسيط، تضخمه حمى المشاحنات اليومية تارة، والتدخلات الخارجية تارة أخرى.
لقد أسهم الانفتاح الرقمي والافتراضي في صياغة وعي أسري مشوه، يقوم على المقارنات المستمرة، والخيالات البراقة التي تعرضها شاشات الهواتف؛ مما أضعف قيم الصبر، والتغافل، والتحمل المشترك بين الزوجين؛ ليتحول أبغض الحلال من كونه علاجًا اضطراريًا أخيرًا، إلى ملجأ أول سريع يسقط فيه الكيان الأسري عند عتبة الخلاف الأول.
وعند قراءة الواقع بلغة الأرقام والمؤشرات الرسمية المتاحة إلكترونيًا لعام ألفين وخمسة وعشرين، نجد أن التحدي مشترك يمس المنظومة الخليجية كافة؛ ففي دولة الكويت تشير المؤشرات الشفافة إلى تخطي نسب الانفصال حاجز خمسين بالمائة من إجمالي عقود الزواج المبرمة، بينما رصدت وزارة العدل في المملكة العربية السعودية قفزة إحصائية واضحة، تقترب من مائة وسبعة وخمسين صكًا يوميًا.
وفي سلطنة عُمان، يوضح المركز الوطني للإحصاء والمعلومات استقرارًا نسبيًا عند أربعة آلاف ومائتين وثماني حالات طلاق موثقة، في حين كشفت وزارة العدل في دولة الإمارات العربية المتحدة عن رصد الحالات بوعي تنظيمي عبر منصتها الاتحادية الرقمية، وتتقارب معها التقديرات في دولتي قطر ومملكة البحرين؛ لتتراوح معدلات الانفصال السنوية بين ثلاثين إلى خمسة وستين بالمائة. هذه الأرقام المتقاطعة، بقدر ما تستدعي من الرعاية، فإنها تعكس حجم الاهتمام الحكومي المتنامي تجاه مستقبل الاستقرار الديموغرافي، وتؤكد أن قضايا الأسرة أصبحت ملفًا تنمويًا حيويًا يتصدر الخطط الاستراتيجية لصناعة غد خليجي أكثر تماسكًا وأمانًا.
وأمام هذا الهدم المتسارع، نجد أن الشرع الحنيف قد رسم منهجًا حكيمًا، يقوم على التدرج الواعي في علاج الخلافات قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة؛ فبدأ بالعلاج الداخلي السري الذي يحفظ هيبة البيت، ويصون أسراره بعيدًا عن أعين الخلق، وذلك بالاعتماد أولًا على لغة الوعظ الرقيق، والحوار الهادئ، المبني على المودة، والتذكير بالحقوق والواجبات. فإن لم يثمر التوجيه القولي، انتقل العلاج بمرونة إلى أسلوب الهجر في المضجع، كرسالة نفسية صامتة وبليغة، تدعو إلى المراجعة والتأمل، دون إعلان أو تشهير.
إن هذا التدبير الاحترازي الرباني يمثل قمة الذكاء العاطفي والاتزان النفسي، حيث يعطي طرفي العلاقة فرصة حقيقية لكبح جماح الغضب؛ ليكون الستر هو السائد. فإن عجزت هذه الحلول الداخلية السرية عن رأب الصدع، وتفاقم الأمر ليصبح شقاقًا ظاهرًا، هنا فقط يفتح التشريع بابه للتدخل الخارجي العاقل المرتبط بمقصد الحكمين.
وحينها يبرز طوق النجاة الإلهي، والعلاج الشرعي الحاسم الذي جاء في كتاب الله -عز وجل- في سورة النساء: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
إن غياب هذا الدور الحيوي للحكمين، واستبداله بلجوء الزوجين السريع إلى ساحات القضاء، أو منصات التواصل لعرض الأسرار، هو السبب الرئيس في تعاظم الفجوة، واستحالة الصلح.
فالحكم المختار من أهله، والحكم المختار من أهلها، بما يحملانه من حرص على الستر، ومعرفة بطبائع الطرفين، يمثلان محكمة أسرية دافئة ومحايدة، تسعى إلى الإصلاح بوعي وحكمة، قبل أن تتطور المشكلة التافهة إلى خصومة قضائية معقدة، يصعب الرجوع بعدها، وهو ميزان شرعي دقيق يحمي كرامة الكيان الأسري، ويصون الثروة البشرية من الضياع.
وفي ختام هذه السلسلة الثلاثية، نؤكد أن حماية أمننا الديموغرافي، وتيسير الحلال، وتجفيف منابع الطلاق، هي مسؤولية تضامنية كبرى، تبدأ من الفكرة؛ لتنتهي بالسلوك الحضاري الراقي.
إن الجهود المخلصة الدؤوبة هي منارات هدى تشق ظلام الحيرة، وإن تفعيل التشريعات السيادية المصاحبة للتدريب الأسري الإلزامي قبل عقد القران، مع إحياء التشريع القرآني للحكمين، هما الصمام الحقيقي لوقف هذا النزيف المجتمعي.
بداية الإصلاح تنبع دائمًا، وأبدًا، من مواجهة الداء بشجاعة وإخلاص؛ لتسعد البشرية، وتأمن الأوطان، وتزدهر الأسر بظلال الاستقرار والنماء في كل زمان ومكان.
والله من وراء القصد، وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
