أمن الثروة البشرية والمُهدِّد الديموغرافي (1)

 

 

 

 

خالد بن خميس المويتي

لا تُقاس قوة الأمم وعظمتها في العصر الحديث بمساحاتها الجغرافية الشاسعة، أو بترساناتها العسكرية والنفطية الفائقة فحسب، بل بقوة وعمق ثروتها البشرية الفاعلة والمتجددة؛ فالإنسان هو صانع التنمية، ومحور الحضارة، ومستقبل الأوطان الواعد.

والكثافةُ السكانيةُ الفتيةُ المتوازنةُ تمثل، لأي دولةٍ في العالم، صمامَ الأمان القومي، ومحركَ النمو الاقتصادي المستدام، والدرعَ الواقيَ لمكتسباتها الحضارية والاجتماعية.

وفي منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشهد تصاعدًا تنمويًا، ورؤًى استراتيجيةً طموحةً، يبرز أمن الثروة البشرية كأولويةٍ قصوى، لا تقبل التأجيل أو المهادنة.

بيدَ أن هذه الثروةَ الغاليةَ باتت تواجه، في الآونة الأخيرة، نزيفًا صامتًا، ومهددًا ديموغرافيًا حقيقيًا، يقوض بنيانَ الأسرة، ويهدد جيلَ الغد بالانكماش والتشتت، الأمر الذي يستدعي من الجميع، نخبًا، ومفكرين، ومسؤولين، وقفةً جادةً لتشخيص مسببات هذا الخلل الهيكلي المقلق.

والمتأملُ في الخريطة الديموغرافية الخليجية يجد أن المجتمعَ الفتي، الذي تميز طويلًا بحيويته، وقدرته على العطاء، يقع اليوم تحت وطأة ثلاثيةٍ خطيرةٍ تلتهم نموه السكاني، وتعرقل مسيرته المجتمعية؛ وتتمثل هذه الثلاثية في: العزوف المتنامي للشباب عن الزواج، وفاجعة الحوادث المرورية التي تخطف زهرات العمر، والتفشي المقلق والمخيف لحالات الطلاق المبكر.

وعندما يجتمع هذا الثالوث في مجتمعٍ واحدٍ، فإن النتيجة الحتمية هي: تراجع معدلات النمو، وزيادة نسبة الشيخوخة، وتآكل القوة الإنتاجية الوطنية.

إن الإعراضَ الواعيَ، أو القسري، عن بناء العش الزوجي يحرم الأمةَ من ولادة كفاءاتٍ جديدةٍ، بينما تأتي الحوادث والطلاق لتهدم القائم من الأسر والمقدرات؛ مما يجعل من المسألة قضيةَ أمنٍ مجتمعي شاملٍ، يفوق في خطورته التحديات الاقتصادية العابرة والتقليدية.

وخطورةُ انتشار ظاهرة الطلاق السريع والمبكر لا تقف عند حدود فك الارتباط بين رجلٍ وامرأةٍ، بل تمتد آثارها العميقة لتضرب في مقتلٍ جوهرَ التربية، والتماسك الروحي للأجيال القادمة؛ فالأسرة في المفهوم الإسلامي والاجتماعي الأصيل هي: المحضن الأول لتنشئة المواطن الصالح، واللبنة الأساسية التي تضمن بقاءَ المجتمع واستمراريته بوعيٍ واتزانٍ.

وعندما تتصدع هذه اللبنة بغياب الوعي، واستسهال الفراق، يسقط الأطفال ضحايا للاضطرابات النفسية والسلوكية، وتضيع قناعات الاستقرار لديهم؛ مما ينتج جيلًا هشًا، غيرَ قادرٍ على تحمل المسؤوليات الوطنية الجسيمة.

ومن هنا، فإن حمايةَ الكثافة السكانية، ودعم التوازن الديموغرافي، يبدآن بالضرورة من صون عقد النكاح الغليظ، وتأصيل قيم السكن، والمودة، والرحمة في نفوس المقبلين على الحياة المشتركة؛ لحماية مجتمعاتنا من شبح التفكك، والاضمحلال البشري، والقلق الحكومي.

لقد اعتادت دولنا الخليجية على مواجهة التحديات بحكمةٍ، وتخطيطٍ استراتيجي بعيد المدى، واليوم نقف أمام منعطفٍ يتطلب إعادةَ صياغة الوعي المجتمعي تجاه مفهوم الأسرة؛ بوصفها مشروعًا تنمويًا، قوميًا، وليس مجردَ خيارٍ شخصي عابرٍ.

والإحصاءات الرقمية المتسارعة لنسب الانفصال والعزوف تدق ناقوسَ الخطر بوضوحٍ، وتنذر بتغيير الملامح الديموغرافية والاجتماعية للمنطقة خلال العقود المقبلة، إذا لم تتضافر جهود المؤسسات السيادية، والدينية، والتربوية، والإعلامية لوضع حد لهذا النزيف. إن المحافظةَ على الكثافة السكانية الوطنية، وتعزيز جودتها الفكرية والنفسية، هي الضمانة الوحيدة لبناء مستقبلٍ خليجي آمنٍ، ومستقرٍ، تقوده عقولٌ وطنيةٌ واعيةٌ، وسواعد مخلصةٌ، تؤمن بأن الأسرةَ المستقرةَ هي أساس الوطن القوي.

وفي المحصلة، يظل أمن الثروة البشرية هو الثروةَ الأبقى، والأغلى، التي تستحق منا كل رعايةٍ، وحمايةٍ، واستثمارٍ.

إن الجهود المخلصة الدؤوبة منارات هدىً تشق ظلامَ الحيرة، وإن التغييرَ الإيجابي المنشودَ لحماية وجودنا الديموغرافي يبدأ من نشر الوعي، وترميم قناعات الشباب، ودعم استقرار الأسرة؛ لتظل الحصنَ الحصينَ الذي تخرج من بين أسواره أجيال الإنجاز والرفعة، وبداية الإصلاح تنبع دائمًا من تشخيص الداء، ومواجهته بشجاعةٍ، وإخلاصٍ؛ لتسعدَ البشرية، وتزدهرَ الأوطان في كل زمانٍ ومكانٍ.

 

والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z