د. غالية بنت عيسى الزبيدي**
لا أحد يعرف على وجه الدقة متى بدأ هذا السباق، ولا من أطلق صافرة البداية، لكن المؤكد أن كثيرين يركضون فيه بكل ما أوتوا من طاقة، وبعضهم لا يعلم أصلًا إلى أين يتجه خط النهاية.
إنه سباق المظاهر؛ ذلك الماراثون الاجتماعي الطويل الذي لا تُمنح فيه الجوائز لأجمل القلوب، ولا لأصدق النفوس، ولا لأكثر الناس علمًا أو خلقًا، بل كثيرًا ما تُمنح لمن أتقن فن العرض والإخراج، حتى لو كانت الكواليس تعج بالفوضى.
في زمن مضى، كان الإنسان يسعى ليكون شيئًا، أما اليوم فبعض الناس يسعى ليبدو شيئًا. والفرق بين الأمرين شاسع، كالفرق بين الشجرة الحقيقية والشجرة المرسومة على الجدار؛ فالأولى تمنح الظل والثمر، أما الثانية فلا تمنح سوى منظر جميل من بعيد.
لقد أصبح للمظاهر سوق مزدهرة لا تعرف الكساد. بيت أكبر مما تحتاجه الأسرة، وحفل أفخم مما يحتمله الحدث، وصور أكثر مما يحتمله الواقع. حتى كأن بعض المناسبات لم تعد تُقام لإسعاد أصحابها، بل لإقناع الآخرين أنهم سعداء.
ومن طرائف هذا العصر أن بعض الناس يرهق نفسه سنوات طويلة ليشتري أشياء لا يحتاجها، بأموال قد لا يملكها، ليبهر أشخاصًا قد لا يعرفهم أصلًا.
إنها معادلة عجيبة، لو تأملناها قليلًا، لبدت أقرب إلى النكتة منها إلى المنطق.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي قد منحت هذا السباق مضمارًا جديدًا أكثر اتساعًا. فهناك تُلتقط اللحظات السعيدة بعناية، وتُنتقى الزوايا الجميلة بدقة، وتُقص من الصورة كل التفاصيل التي قد تفسد المشهد. وهكذا تبدو الحياة سلسلة متواصلة من الإنجازات والرحلات والابتسامات، بينما تبقى الأيام العادية وهموم الحياة الحقيقية خلف الكاميرا.
وليس العيب في الجمال، ولا في الأناقة، ولا في الرغبة المشروعة في تحسين مستوى المعيشة؛ فذلك كله جزء من طبيعة الإنسان. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المظاهر إلى معيار للقيمة الإنسانية، فنقيس الناس بما يملكون لا بما يقدمون، وبما يلبسون لا بما يحملون من مبادئ، وبما يظهر للعين لا بما يسكن القلب.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة المظاهر، بل بعمق الجوهر.
فالمباني الشاهقة لا تعوض نقص الفكر، والسيارات الفارهة لا تختصر طريق النجاح، والألقاب اللامعة لا تصنع أصحابها إن لم تسندها الكفاءة والعمل.
وربما آن الأوان لأن نتوقف قليلًا على جانب هذا المضمار المزدحم، وأن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: ماذا لو أنفقنا نصف الجهد الذي نبذله في تحسين الصورة على تحسين الحقيقة؟
**شاعرة وكاتبة
