لعنة كنعان.. قناع إبراهام؟ حقيقة الأوهام نحو إسرائيل الكبرى المرام؟.. التوراة تجيب!

 

 

محمد عمار عيسى

ما هو "الدين الإبراهيمي الجديد" أو "اتفاقيات أبراهام" التي يتردد صداها واسعًا في وسائل الإعلام، والتي ما فتئت تذكرها المركزية العالمية بين الفينة والأخرى؟ إنه مشروع سياسي وفكري خبيث يروج رواده بالعودة إلى نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام كأب ومظلّة روحية مشتركة لأتباع الشرائع الثلاث، بهدف دمج هذه الشرائع في إطار واحد تحت شعارات براقة مثل السلام والتعايش. يرى العديد من المفكرين أن هذا الطرح يحمل في طياته أدوات للاختراق الناعم للمنطقة العربية والإسلامية، يستهدف في جوهره تهميش القضية الفلسطينية كقضية مركزية، وتثبيت الرواية الإسرائيلية في وعي الأجيال القادمة، وإدخالها في نزعة افتراضية تمهيدًا لشرعنة التمدد والتوسع.

وهنا تبرز الحقيقة التاريخية والعقائدية التي يحاول هذا الطرح القفز عليها، فبينما يُرفع شعار النسب الإبراهيمي، يغفل المروجون له عمدًا النص القرآني الحاسم الذي يوضح هذه الرابطة بصريح العبارة: }إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ{[آل عمران: 68]. فالأمر لا يتعلق بوراثة جينية أو توظيف سياسي، بل هو امتداد لمنهج التوحيد والقيم الأخلاقية، ونقض العهود، والغدر بالأنبياء.

ومن الأهمية بمكان عدم الاكتفاء بالنظرة البراقة لهذا المشروع، وتفكيك أبعاده الفكرية، إذ كيف يمكن التبشير بسلام حقيقي في وقت تستند فيه الرؤية الصهيونية التوسعية إلى نصوص في التوراة الحالية تلغي الآخر، وتؤصل للأطماع الجغرافية؟ حيث ورد في سفر التثنية، الإصحاح 11: 24: "كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم، من البرية ولبنان، من نهر الفرات إلى البحر الغربي يكون تخمكم".

وكذلك ما جاء في سفر التكوين، الإصحاح 15: 18: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقًا قائلًا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات".

لا يقف الأمر عند حدود الجغرافيا السياسية، بل يتعدى لترسيخ نظرة استعلائية جينية للبشر، إذ يستحضر هذا الفكر ما ورد في سفر التكوين، الإصحاح 9: 25، في قصة سيدنا نوح عليه السلام حول "لعنة حام"، حيث يقول النص: "ملعون كنعان! عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدًا لهم".

وليس هذا فحسب، فهذا الطرح يتغافل تمامًا عن الإرث التاريخي في الغدر بالأنبياء، كزكريا ويحيى، والدعوة ضد موسى، ومحاولتهم صلب عيسى، عليهم السلام، ونقضهم للعهود الدينية المبرمة مع النبي محمد ﷺ من قبل بني قينقاع، والنضير، وقريظة في المدينة المنورة، وهو نقض أصَّله القرآن الكريم في قوله تعالى: }أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ{.

وإن السياسة الصهيونية القائمة على اقتحام المستوطنين المستمر للمسجد الأقصى، وتدنيس باحاته، ودعوات هدمه المتكررة لبناء الهيكل المزعوم، لا تنفصل عن هذا التاريخ الطويل لإرث نقض العهود والمواثيق، الذي تلازم مع مسيرة الغدر بالأنبياء والرسل؛ فهذا السلوك الإحلالي، ومحاولات التهويد، يعكس زيف شعارات "الإبراهيمية الجديدة"، فمن يزعم الانتماء لإرث الأنبياء لا ينتهك مقدساتهم، ولا يسعى لتدميرها، وما هذه الاقتحامات والتهديدات إلا تأكيد عملي على أن المشروع يمارس الغدر الفكري والديني لفرض واقع زائف بقوة السلاح.

ويكشف هذا التوظيف التوراتي أيضًا كيف حوّل الفكر الصهيوني مفهوم السامية إلى مصطلح مُسَيَّس، وظفه الصهاينة لخدمة مشروعهم الاستعماري، بالرغم من كون السامية العرقية خرافة لا أساس لها في الحقائق الأنثروبولوجية أو التاريخية العلمية.

إن هذه المسألة تتجاوز الصراع على الأرض والمغانم لتصل إلى عقيدة توظف لاستعلاء عرق على آخر، وفرض الهيمنة على شعوب المنطقة بذريعة الوعد التوراتي.

ولا ينفصل هذا الاختراق الناعم عن استراتيجية تفكيك البنى الاجتماعية للمنطقة، إذ يعكف الأيديولوجيون الصهاينة على دراسة مكامن الفروقات ومواطن الضعف داخل المجتمعات العربية والإسلامية، ولا يتحرك هذا المشروع من فراغ، بل يتطابق تاريخيًا مع واقعهم المُعاش، وعلى رأسها "خطة ينون"، استراتيجية الكيان الصهيوني في الثمانينيات، تلك الخطة التي وضعت مشروع السير المجرّد لتفكيك المكونات الكبرى، كالعراق، وسوريا، ومصر، وسعت إلى إذكاء النزعات الانفصالية، واستدعاء الصراعات الطائفية، والمذهبية، والعرقية.

وكذلك سلطنة عُمان، بموقعها وثقلها الإقليمي الكبير، وإشرافها على الممرات المائية الحيوية، ونسيجها الفريد، كل هذه العوامل تجعلهم يضعونها بوضوح نصب أعينهم، وهي في عين العاصفة، ودول الخليج العربي ككل.

إن تغذية هذه الانقسامات تهدف إلى تحويل المشهد الثقافي من مصدر قوة إلى فتيل للاقتتال الداخلي، بما يضمن إنهاك الدول المركزية من الداخل، وتفتيت الهوية الجامعة لصالح هويات فرعية متناحرة، مما يمهد الطريق لفرض الهيمنة، لتثبيت "إسرائيل الكبرى" كقوة إقليمية مهيمنة وسط محيط ممزق، بدلًا من مواجهته بجيوش جرارة.

هذا هو الجوهر الحقيقي الذي يتم تغليفه بالوئام الدبلوماسي، وهو في حقيقته محاولة لتمرير مشاريع الهيمنة، وتشويه الحقائق التاريخية عبر استغلال العواطف الدينية.

وهنا يستحضر المفكرون مقولة منسوبة إلى الفيلسوف ابن رشد: "التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، وإذا أردت أن تتحكم في جاهل، فما عليك إلا أن تغلف كل باطل بغلاف ديني".

إن معركتنا اليوم ليست معركة جغرافيا وحدود فحسب، بل هي معركة وعي، وعقيدة، وفكر، وأرض، وقيم.

إن العلم والوعي يحميان الأوطان أفضل من أقوى الجيوش الجرارة، فالشعوب الحية لا تُسقِط حقوقها الأوهام البراقة، والوعي بالذات هو صمام الأمان، وما بُنِيَ على باطل أيديولوجي لن يصمد أمام حتمية التاريخ وعدالة القضية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z