أنيسة الهوتي
اقتنعت دائمًا منذ صغري أن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا أو سلّمًا نصعد درجاته للارتقاء، وليست أفعى تبتلعنا فنسقط إلى القاع. إنها الاثنتين معًا، وتتعامل معك بحسب نواياك.
ترفع أقوامًا، وتخفض آخرين، وتدير الأيام بين الناس. وما يظنه الإنسان نهاية، قد يكون في الحقيقة بداية لمشهد لم يُكشف ستاره بعد. فليس كل توقف خسارة، كما أن ليس كل حركة تقدّم.
ولربما أشدُّ ما يمرّ على الإنسان أن يُنتزع منه ما يحبه، أو يُنتزع هو من المكان الذي أحبّه، لا لأنه أخطأ، ولا لأنه عجز، بل لأن الظروف القوية والكائدة دفعته بعيدًا. ولكن، حتى هنا لا يجب أن نلوم، لأن لله تدابير وأسبابًا يسخر فيها كل شيء لما يريد، وكأن القدر يقول: والآن ستأخذ استراحة محارب... رغمًا عن أنفك.
وليس المقصود أن الحياة تملك إرادة مستقلة؛ فالمؤمن يعلم أن كل شيء يجري بقدر الله وحكمته، ولكن الأدب كثيرًا ما يُشخّص الحياة ليصف أثرها في النفوس، كما نقول: "ابتسمت الدنيا"، أو "عبست الأيام". ويبقى القلب مطمئنًا إلى أن مسبب الأسباب هو الله وحده، وأنه سبحانه لا يقدّر لعبده إلا ما فيه حكمة، وإن خفيت.
وفي ذات السطور قرأت في أساطير الصين القديمة، في زمن الممالك السبع، قصة قائدٍ عسكري بدأ حياته وهو في الخامسة عشرة. كان يخرج إلى المعارك فلا يُعرف عنه إلا النصر، حتى صار اسمه يسبق الجيوش، وأصبح العدو يهاب ذكره قبل أن يرى رايته. غير أن المجد أحيانًا يوقظ الحسد؛ فخشي الملك أن يعلو اسم القائد على اسم العرش، فعزله من قيادة الجيش، وأبعده، وألقى به في قرية نائية.
وفي يوم واحد، انتقل الرجل من صهيل الخيل إلى صوت المحراث، ومن قيادة آلاف الجنود إلى الحراثة والزرع وتربية الحيوانات. صار يطهو طعامه بنفسه، ويعيش حياة لا يعرف نفسه فيها، ولا يكاد يعرفه أحد.
خمس سنوات مضت لم يحمل فيها سيفًا، ولم يسمع قرع طبول المعارك، حتى ظن أنه أصبح منسيًا.
لكن التاريخ لا ينسى الرجال، وإنما يختبر صبرهم.
سقطت المملكة، ومات الملك، واجتاحت الجيوش البلاد. عندها أدرك الابن الذي تولى الحكم أن المملكة لا تحتاج إلى اسم جديد، بل إلى الرجل الذي أخطأ أبوه في حقه. فأرسل من يبحث عنه حتى وجدوه. ثم عاد القائد من جديد، وقاد الجيش بقوته وحكمته وبصيرته الحربية، وانتصر، وطرد الغزاة، ثم أصبح الوزير الأعلى، بعد أن كان فلاحًا مجهولًا.
والحكمة الأساسية نجدها هنا، فكم من إنسان ظن أن استبعاده نهاية، فإذا به إعداد. وكان أمره يُدبَّر من السماء إلى الأرض.
إن الحياة حين تُجبر الإنسان على أخذ استراحة محارب، لا تطلب منه أن يلقي سلاحه، بل أن يعيد ترتيب روحه وصفاء ذهنه، لأنه سيدخل إلى برنامج جديد. والسيف الذي لا يُغمد يصدأ في يد صاحبه، والقوس التي تبقى مشدودة تنكسر، والنفس التي لا تعرف السكون يرهقها السعي قبل أن تبلغ غايتها.
لهذا لا يجب أن نيأس إذا أُخرجنا من ميداننا. فقد يكون الله يدّخر لنا ميادين أعظم، ويهيئنا لمعركة لا يصلح لها إلا قلب عرف الصبر، ونفس ذاقت العزلة، وإنسان تعلّم أن القيمة ليست في المنصب، بل في الثبات.
ويأتي يوم نقتنع فيه أن السنوات التي ضاعت، كانت الفصل الذي كتب الله فيه قوتنا القادمة. وحينها سنفهم أن استراحة المحارب ليست استسلامًا، وإنما هي هدنة يفرضها القدر، حتى يعود الإنسان إلى معركته أكثر حكمة، وأشد بأسًا، وأعمق يقينًا.
ويبدأ بقوة مختلفة من جديد...
