مسعود أحمد بيت سعيد
Masoudahmed58@gmail.com
يُعدّ اتفاق الإطار بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني، برعاية أمريكية، امتدادًا لنهج التسويات الذي جسده اتفاق السابع عشر من أيار عام 1983، وهو نهج لا يستجيب، نصًا ومضمونًا، للحد الأدنى من مقتضيات السلام القائم على العدل. ولا ريب أن الإدارة الأمريكية تسعى، من خلال هذا الاتفاق، إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية، أبرزها ترميم صورتها، سواء في إطار استعادة هيبتها الدولية أو في سياق حساباتها الداخلية. ووفق هذه الرؤية، يجري استدراج الحكومة اللبنانية للالتفاف على التضحيات التي قدّمها الشعب اللبناني، وتحويل المواجهة من صراع مع الاحتلال إلى نزاع داخلي يستنزف عناصر القوة الوطنية، ويقود إلى إضعاف المجتمع والدولة معًا. كما يندرج ضمن هذه السياسة السعي إلى تفكيك التحالف بين حزب الله وإيران، الذي شكل، خلال العقود الماضية، أحد أهم عوامل التوازن في مواجهة الاحتلال، وهو هدف لم تخف الولايات المتحدة وإسرائيل سعيهما المستمر إلى تحقيقه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة مناقشة الاشتراطات الأمريكية والإسرائيلية الداعية إلى نزع سلاح المقاومة، فقد أصبحت دوافع هذا الطرح وأهدافه معروفة، ولم تعد السجالات السياسية تضيف الكثير في هذا المجال.
أما ما يستحق التوقف عنده، فيتمثل في ثلاثة استحقاقات وطنية أساسية. أول هذه الاستحقاقات هو ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي، ومنع الانزلاق إلى الفتنة الداخلية، بالعزم نفسه الذي تواجه به مخاطر الاحتلال، وعدم تمكين الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية الفاشية من تحقيق مكاسب سياسية عجزت عن فرضها بالقوة العسكرية. أما الاستحقاق الثاني، فيتمثل في اعتماد الحوار الديمقراطي وسيلة وحيدة لإدارة الخلافات والتناقضات الداخلية. إن تعقيدات المرحلة، وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية، وتنوع مساراتها، وما تفرضه من ضغوط على الداخل اللبناني، تستدعي نفسًا طويلًا ومقاربات سياسية استثنائية. ولعل دعوة الحزب الشيوعي اللبناني إلى تشكيل جبهة وطنية واسعة تشكل مدخلًا صحيحًا وسليمًا. فالمقاومة المسلحة، إذا لم تستند إلى شرطين أساسيين، هما: وجود قاعدة شعبية راسخة، وامتلاك برنامج ثوري تقدمي يستهدف إحداث تغيير اجتماعي، فإن آفاقها تظل محدودة. ومهما حققت من إنجازات عسكرية أو سياسية، فإنها تبقى إنجازات مؤقتة وقابلة للانتكاس. وانطلاقًا من ذلك، تشكل الجبهة الداخلية الركيزة الأساسية لاستمرار المقاومة وفاعليتها، بينما يظل الدعم الخارجي، مهما بلغ حجمه أو أهميته، عاملًا مساعدًا وثانويًا لا يمكن أن يحل محل الإرادة الشعبية أو يعوض ضعف البنية الداخلية.
أما الاستحقاق الثالث، فيتمثل في ترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية في صناعة القرار الاستراتيجي، في السلم والحرب. فلا يجوز أن تنفرد أي جهة، مهما بلغت قوتها أو حجم تمثيلها، برسم الخيارات المصيرية للكل الوطني، إذ إن اللجوء إلى فرض الوقائع والخيارات السياسية بالقوة، وتجاهل الطبيعة المتقلبة للحروب وتحالفاتها، التي تخضع لمنطق الاحتمال أكثر من خضوعها لقوانين ثابتة، قد يؤدي إلى تعميق الأزمات وإطالة أمدها. وعلى أرضية الحوار الوطني يمكن بحث جميع القضايا والإشكاليات، بما فيها تحديد المفاهيم السياسية بدقة، والسياسات الاقتصادية، وتوضيح وظائف مؤسسات الدولة وأدوار مختلف القوى الوطنية، وحصرية السلاح، ووحدة القرار السياسي، نقاشًا موضوعيًا وعلميًا ضمن استراتيجية شاملة، بعيدًا عن منطق الغلبة أو تصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وقد أعلنت المقاومة، في أكثر من مناسبة، استعدادها للمشاركة في حوار وطني شامل يتناول مختلف الهواجس والأسئلة المتعلقة بمستقبل البلاد. ومن المفارقات أن مقاومة الاحتلال كانت، في معظم مراحلها، خيارًا شعبيًا أكثر منها خيارًا رسميًا، ولم تحظ، في كثير من الأحيان، بغطاء سياسي من معظم مكونات السلطة، حتى أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. غير أن هذا المعطى التاريخي لا ينبغي أن يكون مبررًا لاستبعاد الحوار، إذ يبقى، مهما بلغت التناقضات، أقل كلفة من البدائل الأخرى.
وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال المركزي: هل يحتاج لبنان إلى التمسك بسلاح المقاومة للدفاع عن نفسه في مواجهة الاحتلال واعتداءاته المستمرة، أم أن الأولوية أصبحت إنهاء وسائل المقاومة قبل إنهاء الاحتلال نفسه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح الخيارات الوطنية في المرحلة المقبلة، وتحدد طبيعة الاستراتيجية التي يحتاج إليها لبنان لحماية سيادته وأمنه ومستقبله.
