المقاربة الواقعية للعلاقات الخليجية الإيرانية.. عُمان نموذجًا

 

 

 

مسعود أحمد بيت سعيد

masoudahmed58@gmail.com

 

رغم استمرار الحرب العدوانية الظالمة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولبنان، فإنَّ الاتفاق الضمني على خفض التصعيد يُقدِّم مؤشرًا واضحًا على أن هذا العدوان السافر لم يحقق أهدافه، على الرغم من التصريحات المتناقضة والضجيج الإعلامي الكبير.

وقد بات من شبه المؤكد أن الطريق أصبح مُمهّدًا نحو إمكانية تسوية سياسية ستكشف طبيعتها ملامح الاتفاق القادم، الذي على أساسه سيتحدد المنتصر والمهزوم؛ إذ إن طاولة المفاوضات تحصد نتائج الميدان. غير أن ما نود الإشارة إليه على الصعيد الخليجي هو ضرورة استثمار النظرة الإيجابية التي بدأت تبرز في خضم هذه المعركة القاسية. وفي هذا السياق، تُمثِّل الرؤية العُمانية إحدى أهم المقاربات الواقعية التي يمكن البناء عليها لرسم إطار استراتيجي للعلاقات بين دول المنطقة وشعوبها. وإن كان البعض يرى أن المجازفة التي دُفعت إليها إيران قسرًا قد أسهمت -من وجهة نظرهم- في تعقيد هذا التوجُّه، بيْدَ أن الحذر الخليجي من مغبة الانجرار وراء السيناريوهات الأمريكية والإسرائيلية المرسومة -مهما كانت الدوافع- يُشكِّل في حد ذاته أرضية معقولة لتجاوز الإشكاليات والالتباسات القائمة.

وتُعد هذه اليقظة مدخلًا مهمًا لتطوير العلاقات العربية-الإيرانية؛ بما يوفر أرضية صلبة لمواجهة محاولات جَرّ المنطقة إلى الاصطفاف مع المعسكر الإمبريالي والصهيوني من جهة، مع الاحتفاظ بحق إبراز المصالح الخاصة بعيدًا عن الرؤية الاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى.

ولا شك أن من بين أهداف هذه الحرب تعميق الخلافات الإقليمية، خصوصًا بين الدول العربية -ولا سيَّما الخليجية- والجمهورية الإسلامية الإيرانية، واعتبار هذا التناقض هو التناقض الرئيسي، في مقابل تهميش التناقض بين الأمة العربية من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة أخرى، ودفعه إلى مرتبة ثانوية وفق بعض الطروحات، بحيث يصبح الإطار الاستراتيجي الأمريكي-الإسرائيلي هو المرجعية في تحديد طبيعة العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وهي مسألة مُعقَّدة تفتقر إلى أُفق سياسي وطني. وما لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي من منظور شمولي، ستبقى هذه الإشكاليات قائمة. غير أن إعادة الأمور إلى جذورها كفيلة بإزالة جزء كبير من أسباب هذا التعقيد؛ فالصراع العربي مع الإمبريالية الغربية ليس جديدًا؛ إذ تواجه الأمة العربية الاستعمار منذ مطلع القرن العشرين. وقد لجأت الإمبريالية البريطانية إلى زرع الكيان الصهيوني في قلبها لعرقلة تطورها، ومع أُفول دورها بعد "حرب السويس 1956"، انتقلت رعايته إلى الإمبريالية الأمريكية. ولا يزال الغرب عمومًا يرى في حماية هذا الكيان العنصري التوسعي أداةً للحفاظ على مصالحه، وربما يتمثل انتصاره التاريخي، في إنشاء كيان مُصطنع ومنحه شرعية دولية، مع تصفية كل القوى التي تُعارضه بذريعة الدفاع عنه، وهي ذريعة تحوّلت إلى التزام دولي.

ومع مرور الزمن، وبفعل التقدير الخاطئ أو العجز أو التواطؤ، جرى التعامل مع هذا الواقع بوصفه كيانًا طبيعيًا، إلّا أن ترسيخه فعليًا، رغم كل ما توفر له من حماية، يظل أمرًا بالغ الصعوبة، لذلك تتجدد أشكال المقاومة باستمرار؛ سواء توفرت لها كل مقومات الانتصار أم لا. وانطلاقًا من ذلك، برزت قوى ترى في وجود هذا الكيان خطرًا وجوديًا، من بينها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أطاحت بحكم الشاه، الحليف للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتحولت إلى قوة داعمة للنضال الفلسطيني. ومن المفترض أن يُعد هذا التحول مكسبًا، مع الإقرار بأن دوافع الثورة الإسلامية لا تقتصر على هذا البُعد؛ إذ إن للشعب الإيراني مطالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة، ما يدفع البعض إلى تصوير الدعم الإيراني باعتباره مسألة تكتيكية. ولسنا بصدد مجادلة هذا الرأي؛ فإيران دولة إقليمية كبرى ضاربة الجذور في أعماق التاريخ ولها رؤيتها في الدفاع عن مصالحها، وهي بالتأكيد ليست جمعية خيرية. لكن في المقابل، لا يمكن لأي صاحب قضية تجاهل الدور الإسنادي الذي تقدمه إيران للقضايا العربية في أكثر من موقع، كما أن جزءًا مما تتعرض له يرتبط بموقفها من هذه القضايا. وهذا بحد ذاته يشكل تقاطعًا مهمًا وقاسمًا مشتركًا في مواجهة العدو الإمبريالي والصهيوني.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعد إضعاف الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية مصلحة عربية أم لا؟

إذا كان الجواب نعم، فيجب أن تنسجم التحالفات والممارسات السياسية مع هذا التوجه، أما إذا كان الجواب لا، فإن هذه التحالفات تصبح غير مفهومة. وتتباين الرؤى؛ إذ إن الاصطفاف مع معسكر الخصم التاريخي لا يُعد مجرد اجتهاد سياسي قابل للنقاش؛ بل يَمَسُ الموقف المبدئي. وفي المقابل، فإنَّ المبالغة في دور إيران، إلى حد اعتبارها بديلًا عن الأمة العربية في الدفاع عن نفسها وتحقيق أهدافها، تُمثِّل رؤية مثالية غير واقعية؛ فمهمة تحرير الأراضي العربية ليست مهمة إيرانية مباشرة، كما أن تعرض إيران للعدوان يرتبط بأسباب متعددة، من بينها موقفها من القضية الفلسطينية، التي هي قضية عربية بالدرجة الأولى.

وعلى ضوء ذلك، فإن منطق التحالفات السياسية السليمة يقتضي بناء علاقات استراتيجية بين كل شعوب المنطقة على أُسس واضحة، وإخضاع التناقضات الثانوية لمصلحة التناقض الرئيسي المتمثل في مواجهة العدوان الأمريكي-الإسرائيلي في هذه المرحلة، وتعزيز العوامل المشتركة وتجنُّب ما يُثير الهواجس والمخاوف للحوار والمعالجة.

الأكثر قراءة

z