صالح الغافري
في عمان نستذكر قديمًا حين كان إعلان الزواج يتم في المساجد فيصبح الزواج بركة وطمأنينة، وبعدها يجتمع الناس ليتشاركون الطعام في مشهد يفيض بالروح الجماعية والسكينة وكأن الفرح كان يخص الجميع لا بيتًا واحدًا.
وكانت الدعوات آنذاك تُحمل من بيت إلى بيت، يطرق أصحاب المناسبة الأبواب بأنفسهم لدعوة الناس في صورة من صور التواصل المباشر والبساطة، ومع مرور الزمن تطورت الدعوات لتُرسل عبر الرسائل ثم غدت بطاقات مطبوعة أنيقة حتى أصبحت في بعض الحالات مطلية بالذهب أو مزخرفة بشكل فاخر لتتحول الدعوة نفسها إلى جزء من الشكليات الاجتماعية.
وكان من يعقد القِران قديمًا هو المِليك وغالبًا ما يكون إمام المسجد أو من يقوم مقامه، هذا الدور كان يُؤدى ببساطة ووقار ويُضفي على الزواج طابعًا دينيًا واجتماعيًا إذ يجتمع الناس للشهادة والمباركة، ومع مرور الزمن بدأ دور المِليك يتحول من مهمة دينية بسيطة إلى وسيلة لإبراز المكانة فأصبح يُختار بحسب مكانة الشخص الدينية والاجتماعية.
أما الولائم فكانت تقتصر قديمًا على الفوالة الخفيفة والحلوى العُمانية، ثم تطورت لتشمل الفواكه مع وجبة تُطهى في المنزل، ومع التوسع في السكان والعمران أصبحت المناسبات تُقام في سُبُل الجماعة وأحيانًا في الساحات الواسعة، أما اليوم فقد تحولت إلى القاعات الفخمة والموائد العامرة وربما وصل بالبعض أن تُستجلب من مطاعم وبوفيهات عالمية، وكأن العرس لم يعد يُقاس بالبساطة وإنما بما يُعرض من أصناف وألوان.
ومن مظاهر هذا التوسع أن الأمر لم يعد يقتصر على حجز القاعات وإنما يشمل أيضًا تنظيم الفنون من الشيلات والأناشيد والعازي داخل قاعة المدعوين، وهو ما يستلزم مبالغ إضافية للصرف. وإذا كان جانب الرجال في الأعراس قد شهد مظاهر من التوسع والمبالغة، فإن الجانب الآخر حاضر كذلك بسماته الخاصة ليكتمل المشهد في صورة من مجال للتباهي الاجتماعي، وما زاد الترف في الأعراس إلا حين صار الحضور يقاس بالمناصب لا بالمودة.
قد يرى البعض أن مظاهر الأعراس حرية شخصية، فالقادر ينفق وغير القادر يُعذر، لكن الخشية أن تتحول هذه الممارسات مع الوقت إلى عرف اجتماعي ضاغط وميدان للتفاخر، وهنا تكمن خطورة بعض الأيديولوجيات التي تغذي المنافسة الاجتماعية، وعندما يتسع هذا التنافس فإنه يفتح الباب واسعًا لساحة من العرض لا لمناسبة إنسانية. فالأرقام تكشف أن سلطنة عمان سجلت أكثر من 4200 حالة طلاق عام 2025 بزيادة مستمرة، ما يدل أن الضغوط المالية والاجتماعية المرتبطة بالأعراس تتحول إلى أسباب مباشرة لاضطراب الحياة الزوجية وتفكك الأسر وتراكم الديون إضافة إلى نزاعات قانونية في المحاكم تزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي وتهدد تماسك المجتمع بأسره.
كنا في زمن تُعقد فيه الأعراس ببساطة، فأصبحنا في زمن غلبت فيه المظاهر على الجوهر. ومع ذلك يبقى التعاون والتكافل من القيم العُمانية الأصيلة التي حفظت للمجتمع تماسكه عبر القرون. ولمواكبة العصر ينبغي أن تكون الأعراس برؤية رشيدة، حتى لا تتحول إلى أزمة اقتصادية أو وسيلة للتفاخر الاجتماعي.
المظاهر قد تبدو جميلة في الصور لكنها لا تصنع حياة مستقرة، فالزواج ليس يومًا واحدًا وإنما رحلة عمر، والاستقرار يبدأ من البساطة والقدرة على مواجهة الواقع، واستمرار التسابق في الشكليات سيجعلها شرطًا غير معلن للزواج ويزيد الضغط على الشباب.
وقد كان للحكومة سابقًا دور واضح في تنظيم بعض الأعراف الاجتماعية مثل تحديد المهور وتهذيب أيام العزاء لتخفيف الأعباء عن الناس، ومن المهم أن يستمر هذا الدور في متابعة الأعراس حتى لا تتحول إلى شروط غير معلنة أو عرف اجتماعي ضاغط ولا تصبح ساحة للتفاخر، وتبقى في إطارها الإنساني والاجتماعي الذي يعكس قيم المجتمع ويصون تماسكه.
إنَّ البركة في الزواج لا تقاس بكثرة النفقات والكلفة وإنما بيسرها وبساطتها، وما الصداق إلا رمز للمودة. فالاعتدال مسؤولية المجتمع والتنظيم مسؤولية الدولة، وإذا تكاملت الأدوار بقيت الأعراس فرحًا يحمل الخير بعيدًا عن الأعباء المالية ومظاهر التفاخر، ويظل التوازن بين وعي الناس ورؤية الحكومة هو الضمان الذي يحفظ لهذه المناسبات معناها الإنساني ويصون أبعادها الاجتماعية والوطنية ويعيد لها رونقها الأصيل لتبقى الأعراس فرحة العمر لا أزمة العمر.
