د. صالح الفهدي
"أفراحٌ بلا إسراف" عنوان مبادرة أطلقها أحد الإخوة من محافظة ظفار، وهي، في الحقيقة، تمسُّ جميع محافظات سلطنة عُمان التي تحوَّلت فيها مناسبات الزواج، بدءًا من عقد القران، إلى مناسبات تستنزفُ التكاليف المالية الباهظة.
ولو افترضنا أنَّ المجتمع، لو كان مقتدرًا ماليًا، فإنَّ لكل شيءٍ حدًّا، فقد نهى الله عن الإسراف والبذخ، والثقافة العُمانية تنهى كذلك، في أمثالها وحكمها وقيمها، عنهما. فكيف والمجتمعُ لا يملكُ القدرة المالية التي تسدُّ التكاليف المالية المبذولة للمناسبة؟ فأغلبُ الشباب يقع تحت طائلة الديون، ولا يكادُ شابٌ يتزوَّجُ إلا بعد أن يجرَّ خُطاهُ بثقلٍ من أجل أن يستلفَ من البنوك مبلغًا باهظًا لمناسبةٍ سعيدة، فتختلط مشاعرهُ بين سعادة الزواج وكربةِ الديون!
الحقيقة أنَّ القدرات المالية لا تدفعُ أصحابها إلى تبنِّي مظاهر السرف في مناسباتهم، فهم محاسبون على كل ما لديهم؛ لأنهم مستخلفون عليه: "آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ" (الحديد: 7). ولا يجبُ أن يعبِّر أصحاب الثراءِ عن قدراتهم، فيتنافسوا على إظهار ما لديهم من مال، فهم ينتمون إلى مجتمعٍ مسلم لا يقدِّسُ المالَ ولا يراهُ غاية، بل وسيلةً للتقرب إلى الله. أخبرني أحد الوجهاء المقتدرين أنه عقد قران ابنه في بيته بحضور ما يقارب الأربعين مدعوًا، وبهذا لم ينقص من عقد القران شيء، بل كان بسيطًا وهادئًا، لا قلقَ فيه ولا إرباك!
يسألُ الواحد سؤالًا: لِمَ لا نطبق نحن المسلمين ما يأمرنا به ديننا في هذا الجانب من تيسير الزواج، والبعد عن المظاهر الزائفة التي تتبخَّرُ فيها الأموالُ المستدانة؟ لِمَ نُعرضُ عن توجيهاته السديدة، وإرشاداته الحكيمة؟
إنَّ تيسير المهور والاقتصاد في تكاليف الزواج لا يعني مجرد توفير مبلغٍ من المال، بل يعني منح الزوجين بدايةً أكثر استقرارًا وطمأنينة، وتحويل الأموال من إنفاقٍ استهلاكي مؤقت إلى استثمارٍ في مستقبل الأسرة؛ فالأموال التي كانت ستُستنزف في ليلةٍ واحدة، يمكن أن تصبح أساسًا لحياةٍ تمتد لسنوات طويلة.
ولو خُفِّفت الأعباء المالية عن الزوج، فإن ذلك ينعكس على حياته في جوانب كثيرة، منها:
- امتلاك مسكنٍ أفضل أو تأثيثه بصورةٍ مريحة، فيبدأ حياته الزوجية ببيئة مستقرة، بدلًا من تأجيل احتياجات المنزل بسبب استنزاف الأموال في المناسبة.
- الابتعاد عن الديون والقروض، فيعيش الزوج مرتاح البال، بعيدًا عن أقساط تثقل كاهله سنوات طويلة، وتجعله مقيدًا بقيود الديون بدلًا من إطلاق قدراته لبناء المستقبل.
- توفير مدخرات للطوارئ، فالحياة لا تخلو من ظروف صحية أو وظيفية أو أسرية، ووجود احتياط مالي يمنح الأسرة قدرًا أكبر من الأمان.
- القدرة على الاستثمار في تعليم الأبناء ومستقبلهم، أو في تطوير مهاراته المهنية، بدل أن تذهب الأموال إلى مظاهر لا يبقى منها إلا الذكرى.
- تخفيف الضغوط النفسية، فالدَّين ليس مجرد التزام مالي، بل هو همٌّ دائم قد ينعكس على الصحة النفسية والعلاقة الزوجية، وقد قيل: الدين همُّ بالليلِ وذلٌّ بالنهار".
- منح الزوجين فرصة للاستمتاع ببداية حياتهما، من خلال رحلة أو مشروع صغير أو تحسين مستوى المعيشة، بدلًا من أن تكون أولى سنوات الزواج سنوات تقشفٍ قسري بسبب الالتزامات المالية.
كما أن التيسير في الزواج لا يخدم الزوج وحده، بل يخدم الزوجة أيضًا؛ فالزوج الذي يبدأ حياته دون ديون يكون أكثر قدرة على الإنفاق على أسرته، وأكثر هدوءًا في تعامله، وأقل عرضة للخلافات التي تنشأ بسبب الضغوط الاقتصادية. وقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من المشكلات الأسرية يكون المال أحد أسبابها المباشرة أو غير المباشرة.
ومن المفارقات أن بعض الأزواج ينفقون عشرات الآلاف في ساعات معدودة لإرضاء نظرة المجتمع، ثم يقضون سنوات يسدِّدون ثمن تلك الساعات. ويحكي بعض الآباء أنه أنفق مبلغًا كبيرًا على زواج ابنته، فوق المبالغ التي أنفقها الزوج! ولو وُجِّه جزء من هذه الأموال إلى شراء منزل، أو تأسيس مشروع، أو ادخار للمستقبل، لكان أثرها باقيًا، ولأصبحت سببًا في استقرار الأسرة ونمائها، لا في إرهاقها.
ولهذا فإن المجتمع، عندما يخفِّف من تكاليف الزواج، لا يقدِّم خدمةً للشباب فحسب، بل يستثمر في استقرار الأسرة، ويقلل من الديون، ويحد من تأخر الزواج، ويؤسس لجيل يبدأ حياته بثقة وأمل، لا بفاتورةٍ ثقيلة تلاحقه منذ اليوم الأول. فالزواج الناجح لا يقوم على فخامة المناسبة، وإنما يقوم على حسن الاختيار، وصدق المودة، وراحة البال، والاستقرار المالي الذي يعين الزوجين على بناء بيتٍ يملؤه السكن والرحمة.
ولو أن المجتمع كان جادًا في معالجة هذه العادة التي فخَّمت طقوس الزواج وجعلت منها مناسباتٍ للإفقار أكثر منها للإسعاد، ودفعت شبابه إلى الوقوع تحت طائلة الديون بدل أن يعيشوا حياةً هانئةً رغيدة، لتقلصت المظاهر، وعادت مناسبة الزواج إلى بساطتها، ولكن المجتمع يجرُّ بعضه بعضًا إلى مظاهر غير محمودة!
إن هذا الأمر بحاجة إلى وقفات رجال المجتمع ونسائه، الذين لا ينظرون بمنظور ضيق، بل بمنظور واسع؛ ينظرون إلى مستقبل الوطن، وإلى استقرار المجتمع، عبر تيسير سبل الزواج وتسهيل اشتراطاته، حتى لا يجد الشباب عائقًا أمامه يؤدي إلى التأخر، أو الانحراف، أو اللجوء إلى الزواج من خارج المجتمع.
هذه الوقفات تحتاج إلى الرشد والحكمة في معالجتها؛ لأن عادات اليوم في الزواج هي إحدى أسباب إعاقة الزواج، وهذه هي الفتنة التي وردت في الحديث الشريف: "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (الترمذي)، وحينها يكون المجتمع بأسره مسؤولًا عن ذلك!
