د. علي موسى الكناني
يشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أدوات بحثية أو تطبيقات تجريبية، بل أصبحت أحد أبرز محركات الاقتصاد الرقمي والأمن والتكنولوجيا الحديثة. فقد تجاوزت تطبيقاته حدود المختبرات الأكاديمية لتدخل في إدارة المدن الذكية، والقطاع المالي، والرعاية الصحية، والصناعة، والأمن، وحتى في صناعة القرار السياسي والاقتصادي. هذا التوسع الهائل فتح الباب أمام فرص غير مسبوقة، لكنه، في الوقت نفسه، أوجد تحديات معقدة، أبرزها العلاقة المزدوجة بين الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، حيث يمثل أداة دفاعية فعالة من جهة، ووسيلة هجومية متطورة من جهة أخرى.
لقد فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا لم تعد فيه الهجمات الإلكترونية تعتمد فقط على مهارات الأفراد، بل أصبحت مدعومة بخوارزميات قادرة على التعلم والتكيف وتحليل كميات هائلة من البيانات خلال ثوانٍ معدودة. هذا التطور جعل المؤسسات والدول أمام تحديات غير مسبوقة تتطلب إعادة النظر في مفاهيم الأمن السيبراني وآليات الحماية التقليدية.
في الجانب الإيجابي، وفر الذكاء الاصطناعي فرصًا كبيرة لتطوير منظومات الدفاع الرقمي. فأصبحت أنظمة الحماية قادرة على مراقبة الشبكات بشكل مستمر، وتحليل ملايين العمليات الرقمية لاكتشاف أي نشاط غير طبيعي، والاستجابة للحوادث الإلكترونية في وقت قياسي. كما أسهمت تقنيات التعلم الآلي في اكتشاف البرمجيات الخبيثة الجديدة حتى قبل إدراجها في قواعد بيانات برامج الحماية، وهو ما رفع من كفاءة أنظمة الدفاع الإلكتروني في المؤسسات الحكومية والخاصة. كذلك ساعدت الأنظمة الذكية في تطوير مراكز العمليات الأمنية، حيث باتت عمليات تحليل المخاطر وإدارة الحوادث تعتمد بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي، مما يمنح المحللين القدرة على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة في مواجهة التهديدات المتزايدة.
لكن الوجه الآخر لهذه التقنيات يكمن في إمكانية استغلالها من قبل الجماعات الإجرامية أو الجهات المعادية. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج رسائل احتيالية يصعب تمييزها عن الرسائل الحقيقية، وإنشاء مواقع إلكترونية مزيفة، وتطوير برمجيات خبيثة قادرة على تغيير سلوكها لتفادي أنظمة الحماية. كما برزت تقنيات التزييف العميق، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع صوتية أو مرئية تبدو حقيقية، مما يفتح الباب أمام عمليات الاحتيال والتضليل الإعلامي والإضرار بسمعة المؤسسات والشخصيات العامة. ولم تعد الهجمات السيبرانية تستهدف فقط سرقة البيانات أو تحقيق مكاسب مالية، بل أصبحت أداة للتأثير على الاقتصادات الوطنية وتعطيل الخدمات الحيوية وإرباك مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، بدأت العديد من الدول تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات الأمن الوطني والدفاع السيبراني. وفي العالم العربي، تتزايد أهمية هذا الملف مع تسارع مشاريع التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية. فقد أطلقت دول عديدة برامج وطنية للذكاء الاصطناعي، واستثمرت في تطوير مراكز متخصصة للأمن السيبراني بهدف حماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز الأمن الوطني.
وفي سلطنة عُمان، أصبح الأمن السيبراني جزءًا أساسيًا من برامج التحول الرقمي، مع الاهتمام بتطوير التشريعات وبناء القدرات الوطنية وتعزيز جاهزية المؤسسات في مواجهة التهديدات الرقمية.
أما العراق، فيكتسب هذا الموضوع أهمية متزايدة مع توسع مشاريع الأتمتة والتحول الرقمي في المؤسسات الحكومية والقطاع المصرفي وقطاعات النفط والطاقة والاتصالات. ومع انتقال المزيد من الخدمات إلى البيئة الرقمية، تزداد الحاجة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في حماية الشبكات الوطنية ورصد الهجمات الإلكترونية وتحليل المخاطر بصورة استباقية.
فيما تعد الإمارات نموذجًا بارزًا، إذ تبنت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي وربطت تطبيقاته بتطوير الخدمات الحكومية وتعزيز منظومات الأمن الرقمي، مع الاستثمار في بناء الكفاءات الوطنية ومراكز الابتكار السيبراني. أما السعودية، فقد جعلت الذكاء الاصطناعي محورًا رئيسًا في مشاريع التحول الرقمي، حيث يجري توظيفه في حماية الخدمات الحكومية والمنصات الرقمية والقطاعات الحيوية، إلى جانب دعم قدرات الجهات المختصة في اكتشاف التهديدات الإلكترونية والاستجابة لها.
ورغم التقدم الذي تشهده المنطقة العربية، فإن التحدي لا يكمن في امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما في بناء منظومة متكاملة توازن بين الاستفادة من هذه التقنيات وإدارة المخاطر الناتجة عنها. فكلما توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى تشريعات حديثة، وسياسات واضحة، وأطر أخلاقية تنظم استخدامه وتحول دون توظيفه في أنشطة إجرامية أو أعمال تستهدف الأمن الوطني.
من هنا تبرز أهمية تبني استراتيجيات وطنية متكاملة تقوم على عدة محاور، تشمل الاستثمار في البحث العلمي، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات، وإنشاء مراكز وطنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، فضلًا عن توسيع التعاون العربي لتبادل المعلومات والخبرات وبناء منظومة إقليمية قادرة على مواجهة التهديدات الرقمية المشتركة.
إنَّ الذكاء الاصطناعي لن يكون في المستقبل مجرد تقنية مساندة، بل سيصبح أحد أهم عناصر القوة الشاملة للدول. ومن ثم فإن نجاح الدول العربية في توظيفه بصورة آمنة ومسؤولة سيعزز من قدرتها على حماية أمنها الوطني وتحقيق التنمية الرقمية المستدامة، في حين أن التأخر في بناء القدرات السيبرانية قد يجعلها أكثر عرضة للتهديدات الإلكترونية المتطورة. ولهذا فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لم يعد خيارًا تقنيًا، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة وسيادتها الرقمية.
** باحث استراتيجي مختص بالأمن السيبراني
