مركز الدراسات الصيني العربي.. جسر المعرفة والحضارة

 

ناصر بن حمد العبري

لم يعد التعاون الصيني العربي مسارًا اقتصاديًا وتجاريًا فحسب، بل تحوّل إلى مشروع حضاري عميق تبنيه المعرفة، وتصوغه قيم الحوار، وتغذيه رؤية إنسانية. ويتجسد هذا التوجه في مركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، الذي بات علامة فارقة في مسيرة بناء شراكة استراتيجية راسخة بين الصين والدول العربية.

والفضل الأكبر، بعد الله، في هذه المبادرة الريادية يعود إلى فخامة الرئيس الصيني شي جين بينغ، صاحب الرؤية الثاقبة والقيادة الحكيمة. ففي خطابه التاريخي بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة مطلع عام 2016، رسم فخامته خريطة طريق لتعاون جديد يقوم على الإصلاح والتنمية والحوكمة وتبادل الخبرات. وقد جاء تأسيس المركز في العشرين من أبريل عام 2017 ليكون الترجمة العملية الأمينة لهذه الرؤية، وتحويلها من فكرة ملهمة إلى واقع مؤسسي حيّ يصنع الأثر.

وأتقدم بجزيل الشكر والتقدير لفخامة الرئيس شي جين بينغ على إيمانه الراسخ بأن قوة الأمم تبدأ ببناء الإنسان، وأن جسور المستقبل تُشيّد بالعلم قبل الحجر. فقد وجّه المركز، منذ انطلاقته، بوصلة عمله نحو إزالة الحواجز الثقافية بلغة المعرفة، وجعل اللغة العربية جسرًا أصيلًا للحوار، مستلهمًا روح طريق الحرير الذي جمع الحضارتين عبر القرون.

وقد أثمرت هذه الرؤية إنجازات ملموسة على الأرض. ففي محور الكفاءات، نظم المركز سبعًا وعشرين دورة تدريبية متخصصة استفاد منها أكثر من 631 مسؤولًا عربيًا في مجالات السياسة والإدارة والدبلوماسية والتنمية، إلى جانب برامج مخصصة للدبلوماسيين العرب في الصين، وبرامج صُممت وفق احتياجات عدد من الدول العربية. وفي محور إعداد الإنسان، حقق المركز إنجازًا لافتًا بتخريج 120 مترجمًا عربيًا متخصصًا في اللغة الصينية، واستقطاب نخبة من طلبة الدراسات العليا من مصر والأردن واليمن وعدد من الدول العربية، إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالعقل القادر على فهم الآخر وإدارة التعاون على أسس علمية راسخة.

كما امتد دور المركز إلى المجال الثقافي؛ حيث أنشأ فضاءات تفاعلية تبرز تاريخ العلاقات الصينية العربية، وتجعل منه نافذة يطّلع من خلالها الباحثون والإعلاميون والمسؤولون العرب على التجربة الصينية في التنمية، وجسرًا يفهم من خلاله الجانب الصيني واقع العالم العربي وتحدياته وتطلعاته.

ولم تكن هذه الجهود لتمر دون تقدير. فقد أشاد بها الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط خلال زيارته للمركز في شنغهاي، واصفًا إياه بأنه نموذج رائد لنقل الخبرات وتعزيز التعاون العلمي والثقافي، فيما أكد الممثل الدائم لجمهورية العراق لدى جامعة الدول العربية أنه منصة حيوية تعزز التفاهم المتبادل وتفتح آفاقًا جديدة للشراكة.

ومع اقتراب المركز من إكمال عقده الأول، تتجاوز أهميته حدود كونه مؤسسة أكاديمية، ليغدو أحد أبرز الجسور الفكرية التي تربط الصين بالعالم العربي. فقد أثبتت تجربته أن العلاقات الدولية الراسخة لا تُبنى بالاتفاقيات الاقتصادية وحدها، بل بالمؤسسات التي تصنع المعرفة، وتؤهل الكفاءات، وترسخ ثقافة الحوار، وتفتح آفاقًا رحبة للتواصل الحضاري.

وخالص الامتنان لفخامة الرئيس شي جين بينغ على هذه المبادرة الملهمة التي وضعت الإنسان والحضارة في قلب الشراكة. وفي ظل الزخم المتسارع للعلاقات الصينية العربية، يواصل المركز أداء رسالته باعتباره نموذجًا يُحتذى به للدبلوماسية الفكرية، وركيزة ضامنة لمستقبل تقوم شراكته على الفهم العميق والاحترام المتبادل والرؤية المشتركة نحو مزيد من الازدهار والاستقرار. كما أوجه كلمة شكر وتقدير للبروفيسور محفوظ (وانج)، رئيس المركز، على جهوده المقدرة في التواصل المستمر معنا.

الأكثر قراءة

z