ناصر بن سلطان العموري
اعتاد هذا العمود أن يناقش القضايا المجتمعية التي تمس حياة الناس، وهو ما لاقى، ولله الحمد، تفاعلًا واسعًا من مختلف شرائح المجتمع لكن بعيدًا عن تلك القضايا، لفت انتباهي خلال متابعتي لمنافسات كأس العالم 2026 المقامة هذه الأيام، تجربة تستحق الوقوف عندها، ليس لأنها قصة رياضية فحسب، بل لأنها تحمل رسالة أعمق من حدود المستطيل الأخضر إنها حكاية منتخب الرأس الأخضر (كاب فيردي)، الذي يواصل كتابة فصول إنجاز استثنائي في أول مشاركة له في تاريخ المونديال.
في عالم يربط النجاح غالبًا بحجم الإمكانات، يعتقد كثيرون أن المال الوفير، وكثرة الموارد، وضخامة المؤسسات، هي الطريق الأقصر إلى الإنجاز غير أن الواقع يثبت بين حين وآخر أن هناك معادلة مختلفة، قوامها الرؤية الواضحة، والإدارة الحكيمة، والاستثمار في الإنسان، وهي عناصر قد تتفوق على كل الإمكانات المادية.
ولعل ما يقدمه منتخب كاب فيردي في هذه البطولة خير دليل على ذلك فهذا المنتخب، الذي يستعد لمواجهة الأرجنتين في دور الـ32، حقق إنجازه الحقيقي بمجرد بلوغه هذا الدور في أول ظهور له في كأس العالم، ليضع اسمه بين أبرز مفاجآت البطولة، مهما تكن نتيجة المواجهة المرتقبة.
ولمن لا يعرف كاب فيردي، فهي دولة أفريقية صغيرة تتكون من عشر جزر بركانية تقع في المحيط الأطلسي قبالة الساحل الغربي لإفريقيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 600 ألف نسمة فقط، أي أقل من عدد سكان مدينة متوسطة في كثير من دول العالم ورغم محدودية مواردها، فإنها اختارت أن تستثمر فيما هو أثمن من المال... الإنسان.
هذا الإنجاز لم يكن ضربة حظ، ولا وليد مباراة استثنائية، بل ثمرة مشروع بدأ منذ سنوات، ارتكز على التخطيط، والاستقرار، واكتشاف المواهب، وبناء فريق يؤمن بالعمل الجماعي أكثر من اعتماده على النجوم وهنا يكمن الفارق بين من يبني مشروعًا للمستقبل، ومن يبحث عن نجاح مؤقت سرعان ما يتلاشى.
وربما لهذا السبب، فإن ما يبدو للكثيرين إنجازًا استثنائيًا، لم يكن في حقيقته إلا حصاد سنوات من العمل الهادئ، والتخطيط المتواصل، والإيمان بالفكرة فالنجاحات الكبيرة لا تولد بين ليلة وضحاها، وإنما تنمو بعيدًا عن الأضواء حتى يأتي اليوم الذي يراها فيه الجميع.
وعندما يكون الحلم مشروعًا، والرؤية واضحة، يصبح الواقع مجرد محطة يصل إليها أصحاب العزيمة، لا أمنية يصعب تحقيقها.
والأهم أن هذه القصة لا تخص كرة القدم وحدها، بل تمتد إلى مختلف مجالات الحياة فكم من دول ومؤسسات تمتلك إمكانات مالية وبشرية هائلة، لكنها لا تحقق النتائج المأمولة بسبب غياب الرؤية أو ضعف الإدارة وفي المقابل، تنجح تجارب متواضعة لأنها أحسنت استثمار مواردها، وحولت التحديات إلى فرص، والطموحات إلى واقع.
ولذلك، فإن تجربة كاب فيردي ليست دعوة للمقارنة مع الآخرين، بقدر ما هي دعوة لإعادة النظر في مفهوم النجاح. فالإنجاز لا يقاس بحجم ما نملك، وإنما بقدرتنا على توظيف ما نملك فالثروة قد تبني الملاعب، لكنها وحدها لا تصنع المنتخبات، كما أن وفرة الموارد لا تضمن النجاح إذا غاب المشروع الحقيقي.
قد تنتهي مواجهة الأرجنتين بفوز منتخب التانغو، وهو أمر تفرضه الفوارق الفنية والتاريخية بين المنتخبين، لكن ذلك لن يغير حقيقة واحدة، وهي أن كاب فيردي انتصرت قبل أن تنطلق صافرة المباراة، لقد انتصرت على فكرة طالما رددها البعض، مفادها أن الإنجاز حكر على أصحاب الإمكانات الكبرى، وأثبتت أن الإرادة حين تقترن بالتخطيط، والإيمان بالمشروع، والإخلاص في العمل، قادرة على تحويل الأحلام إلى واقع، واختصار المسافات، وصناعة التاريخ.
وفي النهاية، ستطوى صفحات هذه البطولة، وستُنسى نتائج كثيرة، لكن ستبقى بعض القصص حاضرة لأنها تحمل رسائل تتجاوز حدود الرياضة.
لقد أثبتت كاب فيردي أن الأحلام لا تتحول إلى واقع بكثرة الإمكانات، وإنما بوضوح الرؤية، والإيمان بالمشروع، وحسن استثمار الإنسان وعندما تجتمع هذه العناصر، لا يبقى الحلم مجرد حلم... بل يصبح واقعًا يكتبه التاريخ.
